أحزاب وحيدة القرن!
لا طائل من تخمين ما كان سيقوله رجل ميت عن أحداث اليوم، ولا طائل من انتظار ما ستقوله أحزاب هاربة من مواجهة نهايتها وبؤس مصيرها بشجاعة، غارقة في كليشيهات متكررة عبر عقود لآلاف المرات، فاقدة لأدوات تعريفها التقليدية: الكتاب والجريدة، وغير معدة ولا مستعدة لتحولات الزمن الرقمي واشتراطاته واستحقاقاته.
... أحزاب ليس لديها مشروع تواصلي حقيقي، وتكتفي بخطاب التباؤس والتباكي على "وطن المجاز"، والتحصن بجلد وحيد القرن الذي يحول دون شعورها بالندم والألم، ويفقدها الإحساس بالناس والاتجاه والزمن والأحداث التي تشكل مضمون الزمن وعناوينه، فلا أثر لها في ما يدور أكان على صعيد الداخل أو في الإقليم والعالم.
لقد مرت هذه الأحزاب بمرحلة الضمور، ودخلت طور الاندثار، وسقطت في هاوية الالتحاق بهويات ما قبل وطنية وما تحت سياسية، ولم يختلف مصيرها هذا عن مصير النظام السابق الذي أكله العفن، وتحلل وانشطر، وتناثرت بقاياه بين القبائل والجهات والسواحل والمستثمرين في البقايا والمخلفات كحاكم أبوظبي وغيره.
ومن داخل الفجوات والتصدعات التي خلفها سقوط النظام و"المنظومة" برمتها، انبثق "ربيع المليشيات"، وتضاعفت الولاءات والهويات الأهلية والمناطقية، وتضاعفت عدوانيتها. ومع تدفق المزيد من الأموال القادمة من دول الجوار، ارتفع منسوب العنف، وتحولت البلاد إلى بيئة توحش، ومساحات مستباحة من قبل الجماعات المسلحة، وسلطات الأمر الواقع التي ارتكبت المجاز والخطف والاغتيالات، وأدخلت البلاد في عصر ما بعد الحقيقة، حيث تدعي كل جماعة مسلحة أنها الممثل "الشرعي" الوحيد لهذا الوضع الاعتباطي الذي سقطت فيه ومعه كل السيادات، وطفت على سطحه لعنة "الوكلاء" الوبيلة.
إن محاولة إحياء رميم النظام الساقط والأحزاب الساقطة، والحوار مع تلك الأسماء، تندرج في مجرى محاصصة مقيتة، ودعم لاقتصاد الحرب والإتاوات والريع والمافيا، وتكريش المزيد من الوجوه، وتمكين لصوص الإعانات والمساعدات المحترفين من نهب شعب تفتك به المجاعة.
الحق أن بلادنا لم تكن عظيمة بفعل إنجاز، بل بفضل كارثة، وأية كارثة يا ترى أكبر من كارثة الأحزاب المنتهية الصلاحية.
ليس ثمة من جدوى لحوار مع أحزاب أفسدت في أرض اليمن، وأزكمت أنف العالم بروائح فسادها يا دكتور شائع.