أحمد فتحي.. حين يصبح العود ذاكرة وبلاد
ليس من السهل الحديث عن أحمد فتحي بوصفه مطربًا أو ملحنًا فقط؛ فالرجل، في التجربة اليمنية الحديثة، أقرب إلى ظاهرة ثقافية، أو ذاكرة موسيقية جماعية تشكلت في الحقول والقرى، في المدارس والبيوت، في المواسم الزراعية كما في لحظات الفقد والحلم. موسيقاه لم تكن زينة للوقت، بل جزءًا من نسيج الحياة اليومية، تُسمع كما يُسمع خرير الماء، وتُحس كما تُحس حركة الريح في الذرة وقصبها.
برز أحمد فتحي في لحظة كان اليمن فيها بحاجة إلى صوت يعيد الثقة بالتراث، لا بوصفه ماضيًا منتهيًا، بل مادة حيّة قابلة للتجدد. امتلك وعيًا مبكرًا بأن الأغنية اليمنية لا تحتاج إلى هدم كي تُحدَّث، بل إلى قراءة عميقة تعيد ترتيب علاقتها بالإيقاع واللحن والأداء. لذلك أعاد تقديم عدد من الأغاني القديمة بصياغة معاصرة حافظت على روحها الأولى، من دون أن تفقد أثرها الوجداني أو شحنتها الشعبية.
تميّز فتحي بقدرته الاستثنائية على التعامل مع العود، ليس كآلة مرافقة للصوت، بل كصوت موازٍ له. كان العود لديه شريكًا في السرد، يسبق الكلمة أحيانًا، أو يعترضها، أو يكمّل معناها. ولهذا ارتبط اسمه في الذاكرة اليمنية بذلك الشجن العميق الذي لا يتحول إلى بكائية، وباللوعة التي لا تنفصل عن الإيقاع. ثلاثة عناصر شكّلت بصمته: الشجن، اللوعة، والإيقاع؛ عناصر تضرب الروح قبل الجسد، ثم تنتشر في الجسد كنسيم يمر على الشجر والحقول.

على مستوى المسار الفني، لم يكتفِ أحمد فتحي بالغناء لنفسه، بل كان ملحنًا ومجددًا أسهم في تجارب فنية متعددة. لحّن لعدد من الفنانين العرب، وفتح للأغنية اليمنية نوافذ جديدة للتواصل مع محيطها العربي، من دون أن تذوب أو تفقد خصوصيتها. هذا الحضور جعله ضيفًا دائمًا على مهرجانات وفعاليات موسيقية داخل اليمن وخارجه، وخصوصًا في مصر، حيث استقر لسنوات طويلة، وشارك في حفلات دار الأوبرا، ومهرجانات الموسيقى العربية، وملتقيات العود، مقدمًا الأغنية اليمنية في سياق احترافي يليق بتاريخها.
لم تكن مشاركات أحمد فتحي مجرد عروض فنية، بل كانت مواقف ثقافية. في زمن الحروب والانقسامات، ظل يؤمن بأن الفن مساحة جامعة، وبأن الموسيقى قادرة على حماية ما تبقى من الروح اليمنية. عبّر في أكثر من مناسبة عن رفضه لاستخدام الفن كأداة تحريض أو اصطفاف، وتمسك بفكرة الفنان الذي يرى أبعد من اللحظة السياسية، من دون أن يكون محايدًا أخلاقيًا. كان واضحًا في دفاعه عن اليمن كهوية جامعة، وعن اليمنيين كأصحاب حق في الحياة والجمال.
على صعيد الدراسات والتكوين، ينتمي أحمد فتحي إلى جيل أخذ الموسيقى بجدية معرفية، لا كهواية عابرة. اشتغل على المقامات والإيقاعات اليمنية، ووسّع أدواته بالاحتكاك بالتجارب العربية والعالمية، خصوصًا في مصر، حيث أتاح له الاحتكاك بالموسيقيين والباحثين فضاءً أوسع للتجريب والتعلم. هذا العمق المعرفي انعكس في أعماله، وفي قدرته على الحوار مع موسيقيين من مدارس مختلفة، من دون أن يفقد صوته الخاص.

إلى جانب ذلك، عُرف أحمد فتحي بدوره الإنساني والثقافي في دعم المواهب الشابة. ساعد كثيرين في الحصول على فرص دراسة، ومشاركات فنية، ومنح، ومقاعد في معاهد ومهرجانات، مؤمنًا بأن استمرار الأغنية اليمنية مرهون بفتح الطريق أمام جيل جديد. لم يكن هذا الدور سهلًا؛ فقد واجه حملات تشكيك ومشادات ومواقف عدائية، لكنه تجاوزها بعين الفنان، لا بعين الخصومة، وظل يرى في كل موهبة يمنية امتدادًا للحلم الذي بدأه.
معرفتي الشخصية به تعود إلى أواخر 2005، حين زرته في منزله وأهديته أول كتاب صدر لي. لم يكن اللقاء بروتوكوليًا، بل إنسانيًا بامتياز. دار حديث طويل عن اليمن، عن الموسيقى، عن الخسارات، وعن الأمل. ثم تكررت اللقاءات، وتكشفت حكايات كثيرة، كان القاسم المشترك بينها هو إيمانه العميق باليمن، وبقدرة هذا البلد، رغم كل ما مر به، على إنتاج الجمال.
ما يميّز تجربة أحمد فتحي أيضًا هو ابتعاده عن الاستعراض الفارغ. لم يسعَ إلى النجومية السهلة، ولا إلى السوق الاستهلاكية، بل اختار طريقًا أصعب: أن يكون وفيًا لصوته الداخلي. لهذا بقي حضوره طازجًا في الذاكرة، ولم يتحول إلى ظاهرة عابرة. أغانيه مازالت تُردد، لا بدافع الحنين فقط، بل لأنها مازالت قادرة على لمس الهمّ الإنساني، وعلى التعبير عن تطلعات الناس البسطاء.
في الخلاصة، يمكن القول إن أحمد فتحي ليس مجرد فنان ناجح، بل قيمة فنية وثقافية تمثل ثروة قومية لليمن واليمنيين. تجربته تؤكد أن الفن، حين يُؤخذ بجدية وأمانة، يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، وحفظ الذاكرة، وبناء المعنى. وفي زمن تتآكل فيه الأصوات الأصيلة، يبقى أحمد فتحي واحدًا من أولئك الذين جعلوا من العود وطنًا مؤقتًا، ومن الموسيقى بيتًا يتسع للجميع.