سقطرى.. سيرة جزيرة أُديرت كغنيمة
ليست سقطرى في تقرير صحيفة EL PAÍS الإسبانية مجرد أرخبيل نائي تتباهى به خرائط الجغرافيا، بل فصل كامل من كتاب العبث العربي المعاصر، حيث تُدار الجزر كما تُدار الشركات، وتُحمى المحميات كما تُحمى الصفقات، ويُرفع شعار "الاستثمار" فوق جثة البيئة، وفوق رأس التاريخ، وفوق روح المكان.
سقطرى التي عرفها العالم بوصفها "غالاباغوس المحيط الهندي"، صارت فجأة مختبراً سياسياً، ومختبراً بيئياً، ومختبراً أخلاقياً، تُجرَّب فيه كل وصفات الهيمنة الناعمة، قليل من العمل الإنساني وقليل من السياحة، كثير من الصمت وكثير جدًا من السيطرة التي لا تُعلَن، لكنها تُمارَس بثقة المنتصر.
تقول EL PAÍS إن الجزيرة دخلت مرحلة "فراغ السلطة"، لكن الحقيقة أن الفراغ هنا ليس غياباً بل امتلاء من نوع آخر: امتلاء بالنفوذ، بالمال، بالمشاريع التي لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي، وبالرايات التي لا تُرفع رسميًا لكنها ترفرف في كل تفصيلة.
منذ أن بات المجلس الانتقالي الجنوبي هو الحاكم الفعلي لسقطرى بدعم إماراتي، لم تعد الجزيرة تُدار كجزء من دولة، بل كمنطقة نفوذ. والدولة كما يبدو، صارت مجرد ذكرى بيروقراطية، تُستدعى عند الحاجة إلى ختم أو تصريح أو بيان خجول لا يغير شيئا.
الإمارات في سرد EL PAÍS لا تظهر كقوة عسكرية صريحة، بل كقوة ناعمة شديدة الصلابة. تبني مطاراً وتمهد طريقاً وتنشئ منشأة سياحية، ثم تقول لك بابتسامة دبلوماسية: نحن نحمي الطبيعة. والطبيعة المسكينة لا تعرف كيف ترد على هذا النوع من الحماية الذي يشبه كثيراً حماية الذئب لقطيع الغنم.
المفارقة التي تفضحها الصحيفة الإسبانية أن كل ما يُفعل في سقطرى يجري تحت عنوان "التنمية" و"الاستثمار"، بينما الواقع أقرب إلى إعادة تشكيل الجزيرة وفق ذائقة سياسية لا علاقة لها بالبيئة ولا بالسيادة. فالمحميات الطبيعية تتحول إلى أراضٍ قابلة للبيع، والجزيرة المصنفة تراثاً عالمياً تُدار وكأنها أرض بور تنتظر مستثمراً جريئاً.
وتزداد السخرية حين نعلم، كما تقول EL PAÍS، أن عشرات الأنواع الغازية أُدخلت إلى الجزيرة، وأن سوسة النخيل الحمراء وجدت طريقها إلى سقطرى كما تجد الأخبار الكاذبة طريقها إلى وسائل التواصل: بلا رقابة وبلا وعي وبلا إحساس بالعواقب.
هكذا تصبح "الحماية البيئية" نوعاً من النكتة السوداء، لأن البيئة لا تُدمَّر بالقنابل وحدها بل تُدمّر أيضاً بالنخيل المستورد وبالأسماك المنهوبة وبالشعاب المرجانية المسروقة.
سقطرى كما تصفها الصحيفة، ليست ضحية حرب مباشرة بل ضحية سلام مُزيَّف، سلام يُبرر كل شيء باسم الاستقرار، حتى لو كان الثمن هو اقتلاع روح الجزيرة قطعة قطعة. فالصيد الجائر يُسمى "نشاطاً اقتصادياً"، وشراء الأراضي في المحميات يُسمى "مشروعاً غير ربحي"، وقمع الأصوات المحلية يُسمى "حفظاً للنظام".
أما أبناء سقطرى، أولئك الذين يحاولون الدفاع عن جزيرتهم، فتصفهم الوقائع كما نقلتها EL PAÍS بأنهم يتحولون من حماة للبيئة إلى متهمين، ومن أصوات ضمير إلى "مزعجين" ينبغي إسكاتهم.. ففي عالم النفوذ لا مكان لمن يصر على أن الجزيرة ليست صفقة، ولا أن التاريخ ليس ملكاً لشركة استثمار.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين تتدخل اليونسكو، لا بوصفها جهة ثقافية فقط بل كأنها شاهد عدل في نزاع بين البيئة والمال. فالجزيرة التي كانت نموذجاً للتوازن الطبيعي صارت قضية في أروقة السياسة الدولية تنتظر تقريراً ثم لجنة ثم توصية، بينما النزيف البيئي يحدث كل يوم، بلا انتظار.
تقرير EL PAÍS لا يهاجم الإمارات بخطاب دعائي ولا يتوسل لغة الشعارات بل يترك الوقائع تتكلم. وقائع تقول إن سقطرى لم تعد مجرد جزيرة يمنية بل صارت مرآة لزمن عربي تُدار فيه الجغرافيا بمنطق الاستثمار وتُدار السيادة بمنطق الوكالة.