ما لا نحب الاعتراف به: العنصرية في المجتمع اليمني
في اليمن، لا تبدو العنصرية ظاهرة طارئة أو دخيلة على المجتمع، بل هي بنية اجتماعية متجذرة تشكلت عبر قرون، وتوارثتها الأجيال حتى أصبحت جزءًا من العادات والأعراف اليومية، تُمارَس أحيانًا بوعي فظ، وأحيانًا أخرى بلا وعي أو قصد، لكنها في الحالتين تُنتج الأثر نفسه: إقصاء الإنسان، وتكريس اللامساواة، وإعادة إنتاج الظلم داخل المجتمع الواحد.
هذا المقال ليس للإدانة الأخلاقية السريعة، ولا لجلد الذات، بل هو محاولة ترميمية لفهم الخلل، وتشخيص مظاهره، لأن الفهم هو الخطوة الأولى لأي علاج حقيقي ومستدام.
جذور ممتدة داخل المجتمع
العنصرية في اليمن لا تنحصر في خطاب كراهية مباشر، بل تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية: في الأسرة، في المدرسة، في الحي، وفي سوق العمل. الطفل قد يتعلمها قبل أن يعرف معناها، حين يُربّى على أن هذا "أرفع" من ذاك، وأن هذه الفئة "أنقى" من غيرها، وأن الانتماء القبلي أو المناطقي يمنح قيمة إضافية للإنسان، بينما يُنتقص من آخرين بسبب لونهم أو أصولهم أو مهنتهم.
الأعراف القبلية، رغم دورها التاريخي في تنظيم المجتمع وحل النزاعات، أسهمت للأسف في تكريس أشكال غير مباشرة من التمييز الطبقي والفئوي. بعض هذه الأعراف لا تُعلن عنصريتها صراحة، لكنها تُمارسها ضمنيًا، عبر تحديد من يحق له الزواج، أو التملك، أو القيادة، أو حتى الاحترام الاجتماعي.
أشكال متعددة لظاهرة واحدة
العنصرية في اليمن ليست نوعًا واحدًا، بل شبكة متداخلة من الممارسات والأنماط: عنصرية طبقية، وفئوية، وجهوية، ومناطقية، وقبلية، وتمييز قائم على اللون أو الشكل أو المذهب. هذه الأشكال لا تعمل منفصلة، بل تتقاطع وتتعاضد، بحيث قد يتعرض الفرد لعدة أنماط من التمييز في الوقت نفسه.
الدولة ليست خارج المعادلة
المؤلم أن العنصرية لا تقتصر على المجتمع الأهلي، بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها. حين تُدار المؤسسات على أساس الانتماء لا الكفاءة، وحين تُوزَّع الفرص والحقوق بميزان غير عادل، تصبح الدولة شريكًا في إنتاج التمييز، لا أداة لمكافحته.
حلقة مغلقة من الضحايا والجلادين
من أخطر ما في العنصرية اليمنية أنها تعمل كحلقة مترابطة. الشخص نفسه قد يكون ضحية تمييز في سياق معين، ويمارس التمييز على غيره في سياق آخر. يُهان لأنه ينتمي إلى فئة ما، ثم يُعيد إنتاج الإهانة حين تتاح له فرصة ممارسة السلطة الرمزية أو الاجتماعية على من هم أضعف.
ومن أخطر ما يُبقي هذه الحلقة قائمة هو تطبيع الخطأ عبر تبريره بالخطأ، أي الدفاع عن ممارسة عنصرية أو تمييزية بحجة أن غيرها موجود أو أشد، أو أن الظلم متبادل، أو أن الجميع يمارس الأمر ذاته. هذا المنطق لا يُصلح خللًا ولا يُخفف ظلمًا، بل يمنحه شرعية زائفة ويُوسّع دائرته. فالدين، في جوهره، والقيم الإنسانية، في أساسها، والأخلاق، في معناها العميق، تقف جميعها على مسافة واحدة من الظلم، لا تُبرّره ولا تُجزّئه. وكل ما يؤدي إلى الظلم، سواء كان قولًا، أو فعلًا، أو حتى اعتقادًا داخليًا يُنقص من كرامة إنسان آخر، هو خطأ ينبغي التنبه له ومواجهته. إن أخطر أشكال العنصرية ليست تلك التي تُعلن عن نفسها بوقاحة، بل تلك التي تتخفّى خلف الأعذار، وتعيش في القناعات غير المفحوصة، ما يجعل التوعية بخطورة هذا التبرير واجبًا أخلاقيًا ومجتمعيًا.
الآثار العميقة على المجتمع
العنصرية لا تُدمر الضحايا فقط، بل تُفكك المجتمع كله. هي تُضعف الثقة بين أفراده، وتُعطل مبدأ تكافؤ الفرص، وتُحوّل التنوع الطبيعي إلى مصدر صراع بدل أن يكون مصدر ثراء، كما تُهدر الطاقات البشرية، حين يُقصى الإنسان لا لضعف قدرته، بل لهويته.
نحو معالجة واقعية لا شعاراتية
معالجة العنصرية في اليمن لا تبدأ بالخطب العالية، بل بمراجعة صادقة داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي الخطاب الإعلامي، وفي مناهج التعليم، وفي آليات عمل الدولة. تبدأ بالاعتراف أن المشكلة موجودة، وأننا جميعًا، بدرجات مختلفة، جزء منها.
العنصرية ليست قدرًا، لكنها عادة اجتماعية، والعادات مهما ترسخت يمكن تغييرها حين يتوفر الوعي والإرادة. اليمن لا ينقصه التنوع ولا العمق الإنساني، ما ينقصه هو أن يتصالح مع نفسه، وأن يرى أبناءه جميعًا شركاء متساوين في الكرامة والمصير.