صنعاء 19C امطار خفيفة

المملكة العربية السعيدة

في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد التوتر السياسي والتدخلات الخارجية في اليمن، لفت انتباهي حضور خطابٍ متكرر في بعض المقالات والحوارات الإعلامية يشيد بدور المملكة العربية السعودية واهتمامها باليمن. هذا الطرح ليس جديدًا، ولا يمكن إنكاره أو القفز عليه، فالسعودية – تاريخيًا – كان لها فضل واضح على اليمن واليمنيين، وهو فضل لا ينكره منصف.

منذ خمسينيات القرن الماضي، كان المواطن اليمني يدخل الأراضي السعودية ببطاقته الشخصية، واستمرت هذه العلاقة الخاصة حتى ما بعد حرب الخليج عام 1991، حين تغيّرت الموازين السياسية نتيجة موقف اليمن الرسمي الداعم لصدام حسين. ذلك الموقف لم يكن محل إجماع شعبي يمني، لكنه أدّى إلى تداعيات قاسية طالت أكثر من مليوني يمني في السعودية والخليج، عادوا إلى وطنهم مثقلين بالقهر، وتركوا وراءهم علاقة متوترة بين الشعبين. كان رد فعل المملكة آنذاك مفهومًا من منظور سيادي؛ فالدول تتصرف وفق مصالحها حين تشعر بالاستهداف أو المعارضة.
لكن ما يستحق النقاش اليوم هو الحرب في اليمن منذ عام 2014 حتى اللحظة، والتحالف الذي قادها تحت عناوين متعددة، أبرزها "إعادة الأمل" والحفاظ على الدولة اليمنية. لا يمكن قراءة هذه المرحلة بلون واحد؛ فهناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ويجب التحلي بالشجاعة للاعتراف بهما معًا.
صراحةً، ما نراه من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية في بعض مناطق اليمن يثير الإعجاب، ويستحق التقدير. الدول التي تنجح في الخروج من أزماتها، وتعيد بناء نفسها، وتحاور العالم بندية، وتفرض حضورها، هي دول تُرفع لها القبعات. هذا أمر عظيم ولا جدال فيه.
لكن في المقابل، لا يحق لأي دولة – مهما بلغت قوتها أو عظمتها الاقتصادية – أن تسحق دولة أخرى أو تُدار أزماتها بطريقة تستنزف شعبها. المملكة العربية السعودية، بلا شك، ما زالت تحافظ على موقف إنساني تجاه المواطن اليمني، ولم تغلق أبواب العمل أو تُحوّل اليمني إلى خصم. وهذا يُحسب لها.
غير أن الملاحظة الجوهرية التي يشارك فيها كثير من اليمنيين، هي أن المليارات التي أُنفقت خلال سنوات الحرب كان الأجدر أن تُوجَّه نحو بناء البنية التحتية اليمنية ودعم الإنسان اليمني مباشرة، لا أن تضيع في دهاليز حكومة وُصفت بالشرعية، لكنها خلال عشر سنوات استثمرت في مصالحها الشخصية أكثر مما استثمرت في الدولة. والمملكة العربية السعودية تدرك هذه الحقيقة جيدًا.
أود التأكيد هنا:
هذا الطرح ليس غضبًا على السعودية، ولا موقفًا معاديًا لها، بل هو نقد صريح من صديقٍ يرى الجميل ويشيد به، لكنه لا يتردد في الإشارة إلى الأخطاء. فالصداقة الحقيقية لا تُبنى على المجاملة ولا على النفاق السياسي.
ما يزعجني – ويزعج كثيرين – هو الخطاب الإعلامي الذي يذهب بعيدًا في التملق، أو يطرح أفكارًا عبثية كضمّ اليمن إلى السعودية، وكأن ذلك حلٌّ سياسي. هذا الطرح مرفوض أخلاقيًا وسياسيًا، وأثق أن السعودية نفسها لا تقبله، لأنها تحترم سيادة الدول وتدرك حساسية مثل هذه الشعارات.
ما نريده ببساطة هو تغيير مقاربة التعاطي مع اليمن:
تغيير في الأدوات، وتغيير في الوجوه السياسية، والاعتماد على شخصيات ذات خبرة حقيقية ونزاهة، لا على أسماء أثبتت فشلها. حينها فقط، يمكن أن يُبنى مسار مختلف، مسار شراكة حقيقية، لا علاقة وصاية ولا إدارة أزمة بلا أفق.
عندها، وبقناعة كاملة، سأقول إن المملكة العربية السعودية اختارت الطريق الصحيح تجاه اليمن
حينها سنقول من باب الانتماء العميق الإنساني وليس الجغرافي
المملكة العربية السعيدة

الكلمات الدلالية