هجرة "البيض" الثانية إلى الشمال!
علي سالم البيض ابن جيله الذي عاش الاحلام الكبرى مع زعامة جمال عبدالناصر.
رومانسية جيله دفعته باتجاه الماركسية اللينينية مع هزيمة المشروع القومي في 1967.
لكن المرء لا يتغير من مجرد تغيير هيئته!
كذلك عاش معارك التنظيم السياسي ثم الحزب الاشتراكي، الداخلية والخارجية، بروحية الثوري الذي يريد الحصيلة فورا.
تصدى في السبعينات لحرب تحرير ظفار في الشرق، وللحربين الوحدويتين شمالا ضد صنعاء، بحماسة قبل ان يقرر اواخر الثمانينات الدخول في وحدة فورية مع صنعاء.
كانت تلك هجرته الأولى إلى الشمال!
تخلص من كل المنغصات الجنوبية (!) دفعة واحدة، محققا الحلم الذي راوده، كيمني، شابا وكهلا.
لم يكن في اليمن الجنوبي الرئيس فنظام الحزب الشمولي الستاليني يجعله الأول من مجرد موقعه الحزبي أمينا عاما. لا يبدو خاسرا في صيغة دولة الوحدة؛ فالرئاسة صارت للرئيس علي عبدالله صالح وهو أضحى نائب رئيس مجلس الرئاسة مكتفيا بصورة البطل المحبوب الذي تنازل عن موقعه الأول في نظام شطري حبا في الوحدة اليمنية.

بعد فرحة قصيرة اجتاحته مشاعر ندم وحسره. لم يصغ للناصحين، جنوبيين وشماليين، بضرورة التدرج، ثم قادته "النقمة" إلى احضان الاعداء التاريخيين في الجزيرة والخليج فخلع رداء "الوحدوي الفوري" وارتدى القميص الذي خون صاحبه وطارده منذ الستينات: قميص الانفصالي العميل للرجعية العربية والإمبريالية العالمية.
لم يهييء نفسه للعب هذا الدور. كذلك جمهوره لم يتهيأ. فكان ظهوره المتأخر احياء لغصص تجرعتها الجموع التي أرادت له النصر في معركته الأخيرة على أي جزء ينضم إلى جمهوريته المعلنة في 21 مايو 1994. لكن جمهوريته ذاتها تبخرت بعد 5 اسابيع حينما سيطرت قوات "الشرعية" على عاصمة الجنوب عدن.
كانت تلك معركته الأخيرة. وإذ ظهر لاحقاً، في 2010، رأى الناس شبح البطل الشعبي الذي كان، والذي ما لبث ان اختفى حينما قرر، في ساعة شؤم، اللوذ بإيران ومحور المقاومة في زمن الطوائف والعولمة.
اختار المحور البرجماتي محطة الوصول إلى صنعاء ك"نهاية الرحلة" في 21 سبتمبر 2014، فقرر ابن حركة القوميين العرب إشاحة الوجه عن مضيفيه في ضاحية بيروت الجنوبية، والهجرة ثانية، وأبدا، إلى الشمال!