صنعاء 19C امطار خفيفة

الوحدة الوطنية بين العدالة والاستبداد

يقول المولى جلّ في علاه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

(آل عمران: 103)
كلُّ عقلاء البشر يدركون أن الوحدة الوطنية هي حلمٌ يراود كلَّ شعبٍ من شعوب الأرض، يسعى إلى بناء مستقبلٍ أفضل لأجياله!
ومع ذلك، فإن للوحدة صورًا متعددة، وأقبح صورها هي الوحدة المغشوشة التي لا تقوم على العدالة والمساواة بين جميع المواطنين، وهي في حقيقة الأمر ليست وحدة، وإنما هي مشروع انفصالٍ قادم، ينتظر فقط لحظة ظهور أدنى درجةٍ من درجات الضعف لينفجر. وهذا ما يؤكده التاريخ الإنساني المعاصر المقارن؛ حيث نجد أن العديد من الدول التي قامت على أسسٍ غير عادلة تدمرت وانتهت بالانفصال أو الانهيار!
يعطينا التاريخ القريب مثالًا حيًا على ذلك؛ فالاتحاد السوفيتي، الذي قام على أسسٍ غير عادلة، حيث كانت روسيا هي المهيمنة على باقي الدول السوفيتية، وعندما ضعف الاتحاد السوفيتي انفصلت العديد من الدول عن روسيا، مما أدى إلى انهياره. ويوغوسلافيا، كما نعلم، قامت على أسسٍ غير عادلة كذلك؛ فقد كانت صربيا هي المهيمنة على باقي الدول اليوغوسلافية، وعندما ضعف الاتحاد اليوغوسلافي انفصلت العديد من الدول عن صربيا، مما أدى إلى حروبٍ يوغوسلافيةٍ دامية.
ومن المهم أن يعي الجميع أن العدالة هي الأساس المتين الذي تقوم عليه الوحدة الوطنية لأي مجتمع؛ فعندما يشعر المواطنون بأنهم يُعاملون بشكلٍ عادلٍ ومتساوٍ، فإنهم سيكونون أكثر استعدادًا للتضحية من أجل وطنهم، وأكثر استعدادًا للفداء من أجل من يجدونه يحقق لهم العدل والحياة الكريمة، ويصون كرامتهم.
أما إذا كانت الحكومة، أو أشخاصًا معتوهين فيها، لا يروق لهم الرقاد إلا إذا تأكدوا أن المواطنين جوعى، وقد صنفوا الموظفين منهم إلى فئات (أ) و(ب) و(ج)، وشعروا أنهم لا يُعاملون بالتساوي مع غيرهم، وإنما تتم معاملتهم بشكلٍ غير عادل؛ فإن هؤلاء سيكونون أكثر استعدادًا للترحيب بمن ينقذهم من حاكمهم الظالم، ويحقق لهم العدالة، ويكفل لهم الحياة الكريمة.
وينبغي أن يفهم ولاة الأمر كلهم أن الانتماء الوطني لا تصنعه القوة العسكرية، ولا القبضة الأمنية الحديدية، وإن صنعتا شيئًا من هذا فإنما نكون قد صنعنا استقرارًا هجينًا يحمل معه بذور دمارِه. كما لا يصنع الانتماءَ الوطني المتزلفون، ولا الرخاص الحاقدون، ولا الهويات الدخيلة، ولا يُصنع الولاء الوطني في ميادين الاحتشاد، ولا يصنعه حملة الإعلام في المظاهرات والمسيرات المأجورة، ولا حتى في ساحات المعارك العبثية وإسالة دماء الأبرياء على ترابها؛ وإنما الولاء الوطني يُصنع في غرف الحوار، عندما يجتمع المواطنون لمناقشة قضاياهم ومشاكلهم.
فإنهم سيكونون أكثر استعدادًا للعمل معًا لبناء مستقبلٍ أفضل، يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات، بما في ذلك مبدأ تكافؤ الفرص في تولي الوظائف الحكومية، وفي إقامة المشاريع الاستثمارية الخاصة، مدركين أن أي مشروعٍ لا يقوم على المواطنة المتساوية، والشراكة الحقيقية في السلطة والثروة، هو مشروعٌ فاشل. فاشل! وللمستبدين النصيب الأوفر في فشل الوحدة، وإن تظاهروا بالتدين؛ ذلك أن البون شاسعٌ جدًا بين الإسلام كونه دينًا ونظامًا سياسيًا، وبين الاستبداد كونه شكلًا من أشكال الحكم!
فالمستبد يناقض نهج دين الله؛ إن لم يكن قولًا وعملًا، فهو على الضد من دين الله عملًا، وإن جاراه قولًا. وهنا مكمن الخطورة؛ لأنه سيكون مستبدًا منافقًا عيانًا بيانًا!
الاستبداد هو شكلٌ كريهٌ من أشكال الحكم الممقوتة، التي تعتمد على تركيز السلطة في يد فردٍ أو مجموعةٍ صغيرةٍ حقيرةٍ مجرمة، دون رقابةٍ أو محاسبة. وقد قيل:
«إن من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، وتأمّر الجاهل على المتعلم».
وقد وصف الكواكبي، رحمه الله، الاستبداد بأنه: «حضور الإرادة الفردية وغياب الإرادة الجماعية».
ولا يجوز أن نفرّق بين مستبدٍ ومستبد؛ فإن المستبدين يتشابهون في سماتهم وسلوكهم، بغض النظر عن السياق التاريخي أو الجغرافي. فكلهم يسعون إلى بسط نفوذهم على جميع جوانب الحياة في المجتمع، من السياسة إلى الاقتصاد، وحتى الحياة الثقافية والدينية والاجتماعية، وكلهم يلجؤون إلى العنف والفساد لترسيخ سلطتهم.
ولكن، أين يذهب المستبدون؟
اطمئنوا أيها الناس؛ فإن التاريخ يخبرنا أن الأنظمة المستبدة لا تدوم، وإنما تقذف بها الشعوب الحرة إلى مزبلة التاريخ، وأن إرادة الشعوب دائمًا ما تكون أقوى. فالإمبراطور نيرون، زعيم الإمبراطورية الرومانية، ونيكولاي تشاوشيسكو، زعيم رومانيا الشيوعية، هما مثالان على المستبدين الذين أسقطهم استبدادهم!
إن مواجهة الاستبداد ليست بالأمر السهل، ولكنها ممكنة إذا ما بدأ الشعب يشعر بألم الاستبداد، وتوافرت الإرادة الشعبية للقضاء عليه. يجب علينا أن نتعلم من التاريخ، وأن نتضامن مع بعضنا البعض لمواجهة الجماعة المستبدة.
ومما تجدر الإشارة إليه أننا نؤكد حرصنا على بناء علاقة جوارٍ وأخاءٍ قويةٍ وصادقة مع الجارة الكبرى، إلا أننا نلاحظ بقلق غموضًا في تعاملها مع قضايانا الكبرى، مما يثير استفهاماتٍ وتساؤلاتٍ تحتمل شتى التأويلات!
ندعوها إلى تبني الصدق والوضوح في سياسة حسن الجوار معنا، وتبادل المصالح المشتركة، ونذكرها بأن الزمن دوّار، وأن ما تزرعه اليوم ستجنيه غدًا.

الكلمات الدلالية