صنعاء 19C امطار خفيفة

خيارات التمثيل الجنوبي بين الواقع العملي والخطاب النظري

لا تبدو مسألة التمثيل الجنوبي في السياق السياسي الراهن نتاجًا لاختيارٍ حرّ أو منافسةٍ عادلة، بقدر ما هي انعكاس مباشر لطبيعة البيئة السياسية المفروضة على الجنوب منذ سنوات. فهذه البيئة لا تتيح للمواطن الجنوبي امتلاك معايير واضحة أو أدوات حقيقية لاختيار من يمثّله ويمثّل قضاياه، بقدر ما تحصره عمليًا بين خيارات محدودة، تُفرَض بفعل موازين القوة لا بإرادة المجتمع.

يتمثل الخيار الأول في قوى أو كيانات سياسية نشأت وتوسّعت بفعل الدعم الخارجي، سياسيًا وماليًا وعسكريًا، واستمدّت نفوذها من هذا الإسناد أكثر مما استمدّته من توافق جنوبي واسع. وقد ارتبط حضور هذه القوى، خلال سنوات التجربة، بممارسات الإقصاء والتهميش داخل الساحة الجنوبية نفسها، وبسياسات الاعتقال والإخفاء والتنكيل بحق المخالفين، فضلًا عن تبنّي أجندات خارجية تقدّمت فيها حسابات الداعمين على جوهر القضية الجنوبية ومصالح المجتمع.
ورغم ما أُتيح لهذا الخيار من وقت وموارد ونفوذ، لم يُفضِ إلى بناء تمثيل جنوبي جامع، ولا إلى صياغة مشروع سياسي مستقر، بل أسهم في تعميق الانقسام داخل الجنوب، وإضعاف نسيجه الاجتماعي، وتكريس نمط من التبعية السياسية والاقتصادية، جعل القرار الجنوبي مرتهنًا أكثر من أي وقت مضى لعوامل خارجية.
في المقابل، يبرز خيار ثانٍ يتمثل في شخصيات وقوى جنوبية مهمَّشة ومقصية، تعرّضت للملاحقة والإقصاء وأشكال متعددة من التنكيل، لكنها حافظت على موقف رافض للارتهان الخارجي، وامتنعت عن تحويل القضية الجنوبية إلى أداة في صراعات إقليمية أو مشاريع نخبوية تُفرض من أعلى بمعزل عن الإرادة الشعبية. ويستمد هذا الخيار قدرًا من مشروعيته من ثباته على مبادئ وطنية عامة، لا من امتلاكه أدوات القوة أو السيطرة.
غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته السياسية والأخلاقية، لا يُسمح له بالتحول إلى مشروع تمثيلي واقعي في ظل موازين القوى السائدة، كما لا تتوفر له شروط العمل السياسي المنظّم التي تمكّنه من الانتقال من موقع الاعتراض أو التعبير إلى موقع التمثيل الفعلي. وهكذا، يجد الجنوب نفسه محاصرًا بين قوة تدّعي التمثيل دون تفويض حقيقي، وخيارات وطنية تُقصى وتُمنَع من الفعل، في معادلة تعكس انسداد الأفق السياسي أكثر مما تعكس تعددية حقيقية.
وعليه، فإن الإشكالية الجوهرية في مسألة التمثيل الجنوبي لا تكمن في المفاضلة بين هذه القوى أو تلك، بقدر ما تكمن في طبيعة البيئة السياسية نفسها، التي تصادر حق الجنوبيين في الاختيار، وتفرغ مفهوم التمثيل من مضمونه. ففي ظل غياب التنافس الحر، وحرية التنظيم والعمل السياسي، يصبح الحديث عن "الحاضنة الشعبية" أو "التفويض الجماهيري" مجرد خطاب يُنتَج بالقوة أو بالمال، بين أدوات القمع من جهة، وشبكات المصالح والامتيازات من جهة أخرى.
إن أي حديث جاد عن تمثيل جنوبي حقيقي سيظل مؤجّلًا ما لم تُفتح الساحة السياسية الجنوبية ذاتها، ويُعاد الاعتبار لحق المجتمع الجنوبي في الاختيار الحر، لا بوصفه شعارًا مرحليًا، بل كشرط تأسيسي لإنتاج قيادة وتمثيل قادرين على التعبير عن القضية الجنوبية، وصياغة مشروع سياسي وطني قابل للحياة والاستمرار.

الكلمات الدلالية