مآلات الحوار
أخيرًا عدنا، والعود أحمد. أخيرًا عاد العقل المنفلت إلى رشده، هذا إن تبقّى شيء من عقلٍ جمعي وطني، مفارقٍ لجنان القفز على استحقاق التاريخ والجغرافيا ومصالح شعبٍ كامل، وليس مصالح نُخب، وما هي بنخب، وتكويناتٍ طوّعت الوطن وشعبه لمصالحها الأنانية الضيّقة، وقراءاتها ومفاهيمها السطحية الأضيق.
أدخلت جراء ذلك معها بلادنا، شمالًا وجنوبًا، في صراعات بينية ضيقة، تنتحل مرة صفة الاصطفاء الإلهي، أو التمايز المذهبي المناطقي، لتعبر من خلاله إلى سدة الحكم، ضاربةً عرض الحائط بمصالح وطنٍ وشعب، تحت مداميك أنانيتها، تمكينًا لسطوة القبيلة المذهبية شمالًا، أو الاستقواء المناطقي القبلي جنوبًا.
وكلاهما امتشق الحسام، وأصبح مدججًا بسلاح لا يُحصى، وغشاوة أعينٍ غافلة أعمتها البصيرة. جلّ همها السيطرة والاستحواذ عبر مفاهيم قوى أمن لا تؤمن بوطن، ولا بقيمة الإنسان. الإيمان الوحيد الأوحد: احتكار السلطة والثروة تحت مداميك قوة قبيلة لا تُقهر.
هكذا كانوا، وما زالوا يتصورون، بأن مسار التاريخ قد قرر، وبأن سيادة مذهبية مناطقية أتت هبةً من سماواتٍ عالية لطرفٍ بعينه، والباقي مجرد رعايا يتبعون.
وعلى ذات المنوال والمنهج، وإن اختلفت التسميات، ساد الجنوب شبيهٌ يختلف في الشكل والمسمّى، لكن النتيجة النهائية كانت الغلبة فيه لقوة السلاح، والانتماء لمنطقةٍ لها أن تتسيد وتحكم، والآخرون على الهامش.
تلك كانت اللوحة التي رُسم بها تاريخ البلاد طيلة الثمانين عامًا الماضية، عدا فترتين مثلتا بريقًا، لكن أطفأتهما صراعات الرفاق جنوبًا، والتغوّل الأمني القبلي المشيخي شمالًا، حين تم اغتيال الرئيس الحمدي. وعلى ذات المنوال تم سحق حلم اليمنيين، حلم الوحدة التاريخي، الحلم الذي تحقق فقط بدفعٍ ورغبةٍ صادقين من جماهير الشعب في الشطرين.
سريعًا ما تم القضاء على الحلم من ذات القوى التي لا تؤمن أصلًا بحق الاختيار للناس، وبدلًا من تصحيح ومعالجة أخطاء وتجاوزات علقت بجسد مشروع الوحدة، شُنّت حربٌ ظالمة لإقصاء طرف الجنوب، ولولاه لما قامت الوحدة أصلًا.
والآن، وبعد رحلتنا التاريخية الدامية، ها نحن نقف على أعتاب مهرجانٍ لحوار العقل، كما نرجو، لا حوار جني المكاسب الذاتية. نرجو معه، وعبر فعالياته وطرحه، ألّا يكون الشعب اليمني كله ضيفًا ثقيلًا على الهامش، أو مغيّبًا بالمرة.
إذ إن المحطة التي نحن بها ما تزال تحمل إرثًا دمويًا في جوفها، وقراءاتٍ متناقضة حد الطلاق البائن بين مكونات ملفنا الوطني، ناهيك عن غيابٍ حقيقي لديمقراطية التمثيل، وديمقراطية الإنصات.
ما نخشاه أن ما يُرتّب سيظل مثقلًا بآفاتٍ مضت لم تغادرها مفاهيم الاستعلاء، والزعامات الزائفة التي تشكّلت خلال مراحل الصراع، وبُنيت على أسس ومسميات أبعد ما تكون عن مكوناتٍ تحظى بالقبول الشعبي والوطني. ظلت امتدادًا لمفاهيم "القائد الفذ" أو "الزعيم المتفرد" الذي لم يلد الدهر سواه، القائد الملهم الذي لا يأتيه الباطل من هنا أو هناك؛ إلهٌ صغير أرسلته العناية الإلهية، أو صُنع عبر توازنات مختلة لا تعكس أي توافقات وطنية حقيقية.
لذا نقول: لا نريد للحوار القادم، أو لمخرجاته، أن تعيد ترسيم ملامح مراحل صراعاتٍ اتسمت بمصادرة الآخر، ليُعاد من خلالها تنصيب أمراء استهلكتهم المراحل، ويُعاد تلميعهم أمراء للمرحلة المقبلة، التي ستُتوّج بمخرجات الحوار الجنوبي الشامل.
وهو حوار يتطلب، وفق واقع بلادنا، اكتماله بصورة ومفاهيم تغادر المراحل التي لم تورث الوطن والناس غير الخراب والدمار.
ما نتمناه أن تُبنى مقدمات وآليات الحوار، كما يُقال، على أسس ومبادئ نبدأها بالتأكيد أولًا على ما يلي:
الشفافية المطلقة.
الخروج من عباءات الزعيم الملهم، القائد التاريخي، رسول وأمين القضية.
إعطاء الحرية المطلقة للمحافظات لتشكيل هياكلها ومندوبيها للحوار، خاصة محافظة عدن التي أُقصيت في أغلب المراحل.
إخراج هذه المحطة التاريخية الهامة من عبادة الأصنام إلى عبادة القيم والأفكار والمصالح العليا للبلد والشعب المغيّب، والبحث عمّن غُيّبوا عمدًا عن الأضواء، عبر محطات تعيد صياغة مستقبل بلدٍ بأكمله.
هذا أولًا.
وثانيًا، نؤكد على مسائل جوهرية، إن غُيّبت ستشكّل تهديدًا للنجاح المأمول للمؤتمر، وتتمثل بالمبادئ التالية:
أن أي حوار في نهاية المطاف ينبغي أن يمثل جوهر متطلبات حوار وطني شامل، دون مصادرة تطال أي طرح مهما كان محتواه، على أن يتم الحسم عبر آليات الحوار والحوار فقط؛ فقد مثلت كارثة حرب 94، وكارثة غزوة حضرموت والمهرة، عبرةً لمن يعتبر.
هذا حوار سيمهد لحوار لاحق أشمل مع طرف صنعاء، بديلًا عن الحرب.
ستظل المرجعيات الوطنية والأممية المتوافق عليها مرجعياتٍ حاكمة.
ستظل مهمة تكوين لجنة تحضيرية لإعداد الوثائق والأوراق المطلوبة للحوار الجنوبي–الجنوبي من أهم القضايا، على أن يُشار لها بالكفاءة والخبرة والشمول.
ختامًا، سنظل على قناعة تامة بأن المملكة الشقيقة، وهي تتحمل عبء وزر عملية تاريخية كهذه، فلن تبخل بتهيئة المناخات المناسبة، وتوفير كل عناصر النجاح التي تكفل نجاح المؤتمر، ولليمن وشعبه فرصة تاريخية للانتقال من مراحل صراعات تاريخية دامية إلى مراحل تاريخية عناوينها:
الانتقال إلى مربع دولة قوية قادرة، تمثل الكل، ولا يتغوّل أي طرف فيها على طرفٍ آخر.
رحلة مقبلة للتنمية والبناء والتنسيق المشترك، خاصة مع الأشقاء في مجلس التعاون.
رحلة نحو كيان دولة المؤسسات، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وإعلاء شأن ومكانة ومساهمة المرأة اليمنية.
ذلك ما نرجوه ونأمله،
والله الموفق.