صنعاء 19C امطار خفيفة

مجهول الهوية(2)

مجهول الهوية(2)
صورة رمزية أنشأت بالذكاء الاصطناعي

الجزء الثاني

(4)
مرت السنوات، وعادت تيسير مع أخيها وليد ووالدتها إلى صنعاء، فاستقر بهم المقام في حارتهم القديمة ذاتها، لكن المعالم كانت قد تبدلت، إذ تحولت الحارة إلى حي من المباني الحديثة والمراكز التجارية، فأيقنت حينها أن المجنون قد رحل مع بقايا الماضي الذي طواه النسيان.
عادت لمزاولة عملها في مؤسسة العدالة، وسعد زملاؤها بعودتها، بالذات حسام الذي أيقن أن حبه القديم قد عاد.
ذات يوم قصدت تيسير النيابة العامة لمتابعة إحدى القضايا، وعندما دخلت مكتب وكيل النيابة، ناولته الوثائق، نظر إليها نظرة ثاقبة، لحظة صمت رهيبة سادت المكان، تأمل في الأوراق بدهشة، بلطف طلب من زميله المغادرة، أشار بيده إلى تيسير لتجلس. وبينما كان منهمكًا في قراءة الملف، كانت عيناها تجولان فوق سطح مكتبه؛ ستاند ذهبي اللون يحمل اسمه: "وكيل النيابة د. عادل العبادي"، وبجانبه حامل أوراق وعلبة أقلام، وحامل صغير وُضعت عليه "إسوارة" نسائية. تسمرت نظراتها عليها، ولا تدري أي سر جذبها إليها بقوة، تجمدت في مكانها، فملامح تلك القطعة ليست غريبة عنها أبدًا.
قطع ذهولها صوته وهو يقول بابتسامة عريضة وعينين واسعتين:
- "المحامية تيسير عبدالرحمن الإدريسي؟".
أجابته بوجل: "نعم، هذه أنا يا دكتور".
نزع نظارته ووضعها أمامه، ثم سألها:
- "هل كنتم تسكنون في حارة (معين) قبل سبع سنوات؟".
سرت رعشة في أعماقها وتملكها توتر غريب، فقالت والارتباك يغلبها: "هل تعرفنا؟".
نهض من مكتبه وجلس على المقعد المقابل لها، والابتسامة لم تفارق ثغره. انقبض قلبها وهي تتأمله؛ كان رجلًا يفيض هيبة ووقارًا وكاريزما طاغية. نظر في عينيها وقال:
- "لم تتغيري كثيرًا، مازلتِ تيسير الجميلة التي عرفتها، وأنا واثق أنكِ لاتزالين تحملين تلك الطيبة والحنان".
لم تسعفها ذاكرتها بتذكره، لكن وجدت في عينيه وميضًا مألوفًا جدًا. سألته ثانية: "من أين تعرفنا؟".
ضحك قائلًا: "أعرفكم عز المعرفة، فقد كنتُ أسكن معكم في الحارة ذاتها".
قالت بحيرة: "لكنني لا أذكر أحدًا بهذا الاسم في حارتنا"، وأشارت بسبابتها نحو اسمه المكتوب على الـ"ستاند".
أجابها بيقين: "بالتأكيد لم يكن هناك أحد بهذا الاسم.. كان لي اسم آخر. لقد حزنتُ لرحيلكم، وآلمني نبأ وفاة والدك، وحزنتُ أكثر حين انقطعت عني أخباركِ".
نهضت مذعورة، وقد تملكها خوف مرعب وهي تسأله:
- "من أنت؟ وكيف تعرف كل هذه التفاصيل عنا؟ وما علاقتك بي؟".
حاول تهدئتها قائلًا: "اهدئي، لا شيء يستدعي القلق. لا تعلمين مقدار سعادتي برؤيتكِ اليوم، إنها سعادة لو وُزعت على أبناء هذا الوطن البائس لكفتهم جميعًا، صلّي على النبي، اجلسي واسمعيني، لكن عديني ألا تتخذي أي موقف الآن".
جلست وأطرافها ترتجف، استجمعت أنفاسها وقالت:
- "قبل أن تتحدث، هناك شيء على مكتبك لفت انتباهي.. هل يمكنني رؤية هذه الإسوارة؟".
أعطاها إياها، فأخذت تقلبها بين يديها بذهول، تتمتم: "إنها إسوارتي! كانت هدية غالية من خالي سليم".
قالت بصوت متهدج: "هذه لي.. فقدتها منذ سنوات، واسمي محفور عليها إذا لم تصدقني".
ابتسم وقال: "أعلم أنها لكِ، وهي الشيء الوحيد الذي احتفظتُ به هنا لتذكرني بكِ دومًا. كان عندي أمل أن نلتقي يومًا لأعيدها لكِ، وها قد جاء اليوم".
صرخت به: "سألتك بالله من تكون؟ عقلي لم يعد يحتمل هذا الغموض!".
نظر إليها بعمق وسأل: "هل تذكرين يوم محاولة اختطافك؟ هل تذكرين من أنقذكِ؟ هو ذات الشخص الذي أرسل لوالدكِ رسالة التحذير ليغادر صنعاء..".
وتابع: "والدكِ كان رجلًا سياسيًا حكيمًا، وكاتبًا صحفيًا مؤثرًا، لذا كان يُعمل له ألف حساب. ومن غرائب الأقدار أنهم كلفوني بمراقبة ذلك الموظف البسيط الذي لا يملك إلا قلمه وكلمته.. كنتُ أنا (مجنون الحارة) الذي أشفقتِ عليه وعاملتِه بلطف وإحسان. لقد جعلتِ مني قزمًا أمام نفسي بصنيعكِ، فكرهتُ مهمتي وكرهتُ السياسة. كنتُ أرفع تقارير مغلوطة عن والدكِ، وحين شعرتُ بالخطر الحقيقي عليه، لم أجد بدًا من تحذيره بتلك الرسالة".
ألم يقل جلال الدين الرومي: "لا تؤذِ قلبًا رق لك يومًا، فلحظاتُ الودّ لها عليك ألف حقٍّ وحقٌّ". لذا عاهدت نفسي ألا أؤذي قلبك أبدًا بوالدك".
أكمل وصوته يرتجف: "أما يوم محاولة اختطافك، فقد كنتُ أراقب عودتك كالعادة، وحين رأيتُهم يسحبونكِ للسيارة، اندفعتُ لإنقاذكِ، وهمستُ للسائق بأني رجل أمن فعليه الرحيل فورًا. وعندما سحبتك من داخل السيارة حينها سقطت إسوارتكِ وعلقت بملابسي، فأخذتها لتكون ذكرى منكِ".
استطرد قائلًا: "كان لزامًا عليَّ رد الجميل. لقد لقنتِني درسًا في الإنسانية قبل الحب، كانت مواقفك النبيلة دليلًا على أصالتك، وأن الرجل الذي رباك لا يستحق أن يكون في خطر. وحين رحلتم، تعمدتُ إلقاء نفسي أمام سيارة لأُصاب بكسور كذريعة لغيابي عن مراقبتكم، ثم سافرتُ إلى قريتي، ومكثت فترة، بعدها ذهبت إلى القاهرة لإكمال دراساتي العليا، ثم عودت للعمل هنا،
وعلى سيرة الدراسة بالخارج دعيني اضيف لك سرّ عرفته من زميل حينها ، خالكِ سليم حُرم من درجته الوظيفية لأن التخصص كان جديد ومهم للغاية ،وبُلغَ عنه انه قريب لوالدكِ" .
لم تقوَ قدماها على حملها. صُدمت حين عرفت تلك الحقيقة، وأيقنت أن والدها قُتل بسبب مواقفه، وخالها رحل بعز شبابه لنفس السبب، حاولت النهوض، فداهمها الدوار، فأمسك بيدها وأجلسها.
خرجت من مكتبه دون أن تنطق بكلمة، حتى أوراقها تركتها خلفها. وكأن إعصارًا مدمرًا بعثر روحها.
عادت إلى المنزل، تستعيد شريط الماضي بكل وجعه.
حدثت والدتها، فانفجرت بالبكاء، وقالت: "كان شكي في محله، وأخبرتُ والدكِ حينها، لكنه طلب مني ألا أصدمكِ بحقيقة مجنون حارتنا".
اعتذرت عن العمل، وطلبت إجازة مرضية، وتولى حسام متابعة القضية. حين ذهب إلى النيابة، سأل عنها د.عادل، وطلب رقم هاتفها، ثم اتصل عليها ليعتذر ويطمئن عنها.
أفكار كثيرة تقاذفتها، وماضٍ يعود بكل ثقله.
نعم، كان مجنونًا لم يؤذِ أحدًا، وكان مخبرًا، لكنه كان المنقذ أيضًا. لعل معروفه معهم كان أعظم من خطيئته.
طلب لقاءها ليعيد لها الإسوارة التي سقطت منها ثانية في مكتبه حين غادرت وهي في حالة ذهول.. تائهة بين الماضي والحاضر.
(5)
التقيا مجددًا، لكن هذه المرة بملامحه الحقيقية وهويته الجديدة. طلب منها بصوتٍ هادئ أن تقص عليه حكايتها مع الأيام، وأن تعتبره صديقًا مقربًا للعائلة. لم تكن تعلم أن خلف هذا الطلب يختبئ اعترافٌ سيغير مجرى حياتها.
بعد فترة ليست بالقصيرة باغتها بسؤالٍ لم يخطر لها على بال:
- "هل يمكن للمستحيل أن يتحقق، وتوافقي على الزواج من مجنون ومخبرٍ قديم؟ صحيح أنا تزوجتُ ولي طفل، إلا أن حبكِ في قلبي لم يتغير".
صمتَ قليلًا ثم أردف بصدقٍ زلزل كيانها: "لقد أحببتكِ، وتمنيت أن تكوني شريكة حياتي منذ تلك اللحظة الأولى التي عطفتِ فيها عليّ".
أفضى لها بأسراره التي لم يعلم بها أحدٌ سواه، ومن كلفه بتلك المهمة آنذاك. حكى لها كيف كان يخدع الجميع؛ حين كان الشباب يأخذونه إلى المسجد للاغتسال، كان يصرُّ على دخول الحمام بمفرده، فيغتسل وينظف جسده من مواد تجميلية وُضعت بدقة لتبدو كأوساخٍ متراكمة، ثم يخرج ليسمح لهم بغسل شعره الذي كان يحثو عليه التراب بنفسه إمعانًا في التمويه.
كشف لها عن تفاصيل حياته السرية؛ كيف كان يأكل طعامًا مخصصًا يأتيه به زملاؤه خفيةً، ويتناوله فوق سيارة مهجورة في الزقاق المجاور، مغطاةٍ بـ"طربالٍ" أزرق يوهم المارة أنها معطلة، بينما كان كل شيءٍ مرسومًا بدقة. وأكد لها بصوتٍ مخنوق بالعبرات: "لم أكن آكل من يد أحدٍ غيرهم.. إلا طعامكِ أنتِ".
مرت الأيام وهي تصارع حيرةً تنهش روحها. كيف يمكن لهذا الرجل "الدكتور ووكيل النيابة العامة"، بكل هذه الهيبة، أن يكون هو نفسه ذاك "المجنون"؟! وكيف لها أن تقبل بالزواج منه وطيف تلك الصور القديمة تطاردها؟! فرغم أن شخصيته الحالية لا تمتُّ بصلة لماضيه، إلا أن عقلها كان مخزنًا لصورٍ مشوهة لا تمحى بسهولة. رفضت عرضه قائلة: "يكفي أن تظل بيننا روابط الصداقة والمعروف". ورغم نكرانها، كان هناك صوتٌ خفي في أعماقها يهمس بأنه بات الأقرب إلى قلبها. تركها لتفكر على مهل.
فشاءت الأقدار أن تتقاطع الطرق مرة أخرى؛ تعرف على وليد عندما التقيا في عزاء إحدى الشخصيات في الحارة، وتوطدت علاقتهما ببعض، ذات مرة أخذا يتحدثان عن إنسانية تيسير وتعاملها مع قضايا حقوق الإنسان بمسؤولية واهتمام، ضحك وليد وقال: "من شدة تعاطفها أحبت مجنونًا كان في حارتنا، وظلت لسنوات تقلقنا عليه، وتسأل عن حاله".
انطلقت ضحكة مشتركة بينهما، لكن ضحكة د. عادل كانت مغلفة بشعورٍ آخر.. شعور باليقين بأن له في قلبها مكانًا.

(6)
توفيت والدة تيسير بعد ان تدهورت حالتها الصحية عقب معرفتها حقيقة ما جرى لزوجها وشقيقها ،فكان د. عادل الرجل الذي وقف معهم ولم يتركهم لحظة واحدة، مضمدًا جراحهم بوجوده.
بعدها تقدم لخطبة تيسير رسميًا، وحين سألها وليد، كان الرفض. لكن د. عادل أصرّ هذه المرة، قال لها بلهجة من يضع روحه على كفه:
"لا أحد يعلم بالماضي غيرنا، وأنا لا أستطيع العيش دونكِ".
قالت له محاولةً الهروب: "ضع نفسك مكاني.. وأنت قرر".
أجابها بكلماتٍ لا تُنسى: "أنا أشتري الحب بأي ثمن، والصفقة بين يديكِ".
احتارت تيسير وهي تقارن بين حسام المحامي المشهور الذي صارحها برغبته في الزواج منها، وبين د. عادل وماضيه الغامض، فكرت كثيرًا، فلم تكن ترى سوى صورة الرجل الذي أنقذها وأنقذ والدها، الرجل الذي وقف معهم في انكسارهم ووجعهم. فأدركت حينها أن عليها محو غبار الماضي من مخيلتها مهما كان الثمن.
وأيقنت بأن أغرب قصص الحب هي تلك التي تولد من رحم الغموض، وتتطهر من أدران الماضي لتزهر في حاضرٍ يملأه الوفاء.
فكان عادل من اختاره قلبها، وعاشا معًا يجمعهما الحب والإخلاص، واحتضن أطفالها كأنهم قطعة منه.

الكلمات الدلالية