صنعاء 19C امطار خفيفة

شباب بين التحديات والآمال: كيف يصنع الحوار آفاقًا جديدة؟

في أزمنة التحديات، تظهر الحاجة إلى الأمل. لكن الأمل لا يولد من الفراغ، بل ينمو حيث يوجد صوت، واستماع، وتبادل صادق بين الناس. وفي قلب كل مجتمع يسعى إلى النهوض، يقف الشباب حاملين تساؤلاتهم، تطلعاتهم، وأحلامهم التي تأبى أن تُدفن تحت أنقاض الظروف.


اليمن اليوم يعيش واقعًا معقدًا ومتشعبًا، ترك أثره في كل تفاصيل الحياة اليومية، من تراجع فرص التعليم والعمل، إلى ضغوط الحياة الأسرية، إلى تحوّلات القيم والعلاقات الاجتماعية. ومع ذلك، يظل الشباب هم الفئة الأكثر طاقة، والأكثر قدرة على تجاوز الإحباط، حين تتاح لهم المساحة للحوار، وللتفكير، وللإسهام الحقيقي في بناء المجتمع الذي يحلمون به.
لقد أثبتت التجارب، حتى في البيئات المتأثرة بالصراعات، أن الحوار يمكن أن يكون بذرة تغيير. لا نقصد بالحوار تلك الاجتماعات الشكلية أو التصريحات الإعلامية، بل الحوار الذي يبدأ من الناس، من الشباب أنفسهم، في الجلسات البسيطة، في المقاهي، في الأحياء، على الإنترنت، وحتى في الحوارات العائلية. عندما يتاح للشاب أن يتحدث بصدق، ويُصغى إليه باحترام، فإن ذلك وحده يخلق بيئة مختلفة، أقل توترًا، وأكثر قابلية للتفاهم والتعاون.
الحوار هنا لا يعني فقط التعبير عن الرأي، بل يشمل مهارات أعمق، مثل الإنصات، وتقبّل وجهات النظر المختلفة، والبحث عن نقاط اللقاء، بدلًا من التركيز على الاختلاف. وهذه المهارات، إذا تعلّمها الشباب ومارسوها، فإنها تصبح أسلوب حياة يُسهم في تحسين العلاقات داخل الأسرة، وبين الزملاء، وفي الحي، وفي المجتمع بشكل عام.
وفي اليمن، حيث تتداخل القضايا اليومية بالهموم الوطنية، يصبح للحوار بين الشباب قيمة مضاعفة. الحوار الصادق يمكن أن يكون مدخلًا لفهم أوسع لقضايا مثل التعليم، وسوق العمل، والوضع البيئي، ودور الأسرة، بل وحتى العلاقة مع الهوية الثقافية والدينية. هذه كلها ليست مواضيع بعيدة عن الشباب، بل هي تمس حياتهم من الداخل، وهم الأقدر على المساهمة في معالجتها إن أُعطوا الفرصة.
ما نحتاج إليه ليس فقط الحديث عن أهمية الشباب، بل تمكينهم من الحوار الفعّال. والمقصود بالتمكين هنا ليس فقط عبر تمويل أو مشاريع، بل أولًا من خلال الاعتراف بقدرتهم، واحترام آرائهم، وتشجيعهم على التفكير بصوت عالٍ، دون خوف من التهميش أو الإلغاء. الحوار يولد من الثقة، وينمو بالاحترام، ويؤتي ثماره عندما يتحول إلى أفعال.
كثير من التحولات تبدأ من حوارات بسيطة. ربما تكون جلسة نقاش حول أهمية التعليم، أو فكرة لتحسين بيئة الحي، أو تبادل وجهات نظر حول دور الفتيات في المجتمع، أو دور الأسرة في التماسك المجتمعي. هذه الحوارات ليست مجرد كلام إنشائي، بل نوافذ يتعرّف من خلالها الشباب على بعضهم، ويعيدون التفكير في المسلّمات، وينسجون رؤية مشتركة للمستقبل. وعندما يتكرر هذا النمط، تتشكل تدريجًا ثقافة جديدة، أكثر انفتاحًا، وأقل تصادمًا.
في المقابل، غياب الحوار يفتح المجال للانغلاق، وسوء الفهم، وانتشار الصور النمطية، وقد يصل إلى التطرف في المواقف أو العزلة عن الشأن العام. ولهذا فإن من المهم أن نوفّر للشباب بيئات آمنة ومحفّزة للحوار. البيوت، المدارس، الجامعات، الأندية، المنصات الرقمية، كلها يمكن أن تكون أماكن لتبادل الأفكار وتعزيز التفاهم.
الحوار لا يُلغِي الاختلاف، لكنه يعلّم كيفية التعايش معه. وهذه مهارة ضرورية في بلد مثل اليمن، متعدد الخلفيات، والثقافات، والأديان، والتجارب. لا يمكن أن نصل إلى حلول عادلة أو مستدامة دون حوارات حقيقية، يشارك فيها الشباب بوصفهم مواطنين كاملين، لا مجرد متلقّين للقرارات.
كما أن الحوار يعزّز شعور الانتماء. فعندما يناقش الشاب مستقبل بلده، أو مشاكل مجتمعه، أو حتى طموحاته الشخصية في ظل الظروف الراهنة، فإنه يشعر بأنه ليس وحده، وأن صوته جزء من نسيج أوسع. وهذا الشعور بالانتماء هو حجر الأساس في أي نهوض جماعي. فمن يرى نفسه جزءًا من الحل، لا يمكن أن يقف متفرجًا أو ساخطًا فقط.
لكن من المهم أيضًا الاعتراف بأن الحوار ليس أمرًا سهلًا دائمًا. هو يحتاج إلى شجاعة داخلية، لأن فتح القلب للآخر يتطلب ثقة، كما يحتاج إلى تواضع فكري، لأن تقبّل رأي مخالف ليس أمرًا هيّنًا. كذلك يحتاج إلى تدريب، فالحوار الفعّال يأتي بالتدريب ويُنمَّى بالممارسة، مثل أي مهارة إنسانية أخرى.
ولهذا، فإن مسؤولية نشر ثقافة الحوار لا تقع على عاتق الشباب فقط، بل تشمل الأسر، والمربين، والوسائل الإعلامية، والمبادرات المجتمعية، وتلعب فيه دور مهم المؤسسات الحكومية. فكل جهة تستطيع أن تساهم بطريقة ما في دعم هذا الاتجاه، سواء من خلال تبني خطاب جامع، أو إتاحة الفرصة للنقاش المفتوح، أو حتى مجرد فتح مساحة للاستماع باحترام.
وفي الختام، يمكن القول إن الحوار بين الشباب ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية. هو أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تفتح الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا، لأنه يبني جسورًا بدلًا من الجدران، ويمنح الشباب موقعًا فاعلًا في صياغة الواقع لا الهروب منه. وبين الحطام، لا يزال الأمل ممكنًا، إذا اخترنا أن نصغي لبعضنا، ونحترم اختلافاتنا، ونعمل معًا من أجل ما يجمعنا.

الكلمات الدلالية