صنعاء 19C امطار خفيفة

هل هبط الإنسان على القمر فعلًا؟

ليس التشكيك في ذاته عيبًا، بل هو محرك أساسي للعلم. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الشك إلى إنكار شامل يتجاهل تراكم الأدلة، ويقفز فوق الفيزياء، ويستبدل التحليل العلمي بالانطباع البصري أو بسوء الفهم التقني. الهبوط البشري على القمر، ضمن برنامج أبوللو الذي نفذته ناسا بين عامي 1969 و1972، ليس رواية إعلامية ولا ادعاءً سياسيًا، بل حدث علمي موثق متعدد الطبقات.

في هذا السياق، جمعتُ هنا أبرز الإشكاليات التي تتردد في الأوساط المشككة، وغالبًا ما تصدر عن محدودية في الفهم الفيزيائي أو عن إسقاطات بصرية ومعرفية لا تصمد أمام التحليل العلمي الهادئ. ويأتي هذا المقال محاولة لتقديم إجابات واضحة ومباشرة، لا بلغة التعالي، بل بلغة التفسير والتفكيك. ومع العلم أن الحقيقة العلمية لا تخضع للتصويت ولا تتغير بإنكار الملايين ممن لا يستوعبونها، فهي تبقى ساطعة مثل الشمس، لا يحجبها ضجيج الشك ولا كثافة الوهم.

__________
أولًا: "العلم كان يرفرف رغم عدم وجود هواء"


هذه من أكثر الشبهات تداولًا، وهي في حقيقتها سوء قراءة للصورة.
العلم القمري لم يكن معلقًا على سارية عمودية فقط، بل دُعّم بقضيب أفقي علوي ليبقى مفرودًا في غياب الهواء. عند غرس السارية أو تدويرها، تنتقل الحركة إلى القماش، وفي الفراغ لا توجد مقاومة هواء تُخمِد الاهتزاز فورًا، فيستمر القماش بالتحرك لثوانٍ بفعل القصور الذاتي، ثم يتوقف تمامًا.
أما "التموجات" الظاهرة فهي تجاعيد ناتجة عن طي القماش وليس عن رياح. الدليل الحاسم هو أن العلم يتوقف عن الحركة بالكامل فور توقف رائد الفضاء عن لمسه، وهو ما لا يحدث في وجود هواء.


ثانيًا: "لماذا لا تظهر النجوم في صور القمر؟"


السبب فيزيائي-تصويري بحت.
سطح القمر شديد الإضاءة لأنه يعكس ضوء الشمس مباشرة، وكذلك بدلات الرواد والمركبة. لذلك ضُبطت الكاميرات على تعريض قصير جدًا وسرعة غالق عالية كي لا تحترق الصورة. النجوم، كونها خافتة جدًا، تحتاج إلى تعريض طويل لتظهر.
الأمر نفسه يحدث على الأرض: صوّر شخصًا في وضح النهار، فلن ترى النجوم في السماء رغم وجودها. هذا ليس غيابًا للنجوم، بل حدًّا تقنيًا للتصوير.



ثالثًا: "الظلال متوازية أو غير منطقية"


الضوء القادم من الشمس، باعتبارها بعيدة جدًا، يصل إلى القمر في حزم شبه متوازية، وبالتالي تكون الظلال متقاربة الاتجاه، وهذا ما يحدث أيضًا على الأرض في يوم مشمس.
أما اختلاف اتجاه بعض الظلال في الصور، فسببه:
•    تموج السطح القمري وعدم استوائه.
•    المنظور وعدسات التصوير التي تجعل الخطوط المتوازية تبدو متلاقية بصريًا.
هذه ظواهر معروفة في التصوير الهندسي، ولا تشير إلى تعدد مصادر ضوء اصطناعية كما يُشاع.


رابعًا: "كان يمكن تزوير كل شيء داخل استوديو"


هذا الافتراض يتجاهل حجم وتعقيد ما يجب تزويره.
الهبوط على القمر ليس فيديو واحدًا، بل منظومة متكاملة تشمل:
•    اتصالات راديوية تتبعها محطات حول العالم.
•    مسارات مدارية يمكن التحقق منها حسابيًا.
•    بيانات هندسية وصوتية وزمنية متزامنة.
•    عينات صخرية فريدة.
•    آثار مادية ما تزال مرصودة حتى اليوم.
تزوير كل ذلك، مع إشراك مئات آلاف المهندسين والعلماء، ثم الحفاظ على السر لعقود دون انكشاف، هو افتراض أكثر استحالة من تنفيذ المهمة نفسها.


خامسًا: "لماذا لم تفضح دول أخرى ناسا؟"


لو كانت ناسا تكذب، لكان الاتحاد السوفيتي – الخصم الأول في ذروة الحرب الباردة – أول من يفضح ذلك. لكنه لم يفعل، بل راقب وتابع المهمة.
كما شاركت محطات خارج الولايات المتحدة، خاصة في أستراليا، في استقبال الإشارات. واليوم، وكالات فضاء حديثة من دول مختلفة تصوّر مواقع الهبوط دون أن تشكك في أصلها.


سادسًا: "هل توجد أدلة مادية على القمر؟"


نعم، وبنوعين حاسمين:
1.    مرآيا أو عواكس ليزرية تركها رواد أبوللو على سطح القمر. مراصد في دول مختلفة تطلق نبضات ليزر نحوها وتستقبل الإشارة المرتدة، ولا زالت إلى اليوم مستخدمة وآخر استخدام لها كان قبل عدة أشهر حين نجحت الصين في إرسال شعاع ليزري في النهار وارتد من تلك المرايا الموضوعة على سطح القمر وتم قياس المسافة الفاصلة بين القمر والأرض بدقة عالية.
2.    صور عالية الدقة من المدار، التقطها مسبار Lunar Reconnaissance Orbiter، تُظهر مواقع الهبوط، مراحل المركبة المتروكة، وآثار حركة الرواد.


سابعًا: "كيف نجا الرواد من أحزمة فان آلن الإشعاعية؟"


أحزمة فان آلن ليست جدارًا قاتلًا، بل مناطق ذات كثافة إشعاعية متفاوتة.
رواد أبوللو:
•    عبروا مناطق أقل كثافة.
•    قضوا ساعات قليلة فقط داخل الأحزمة.
•    كانت مركبتهم مزودة بدرع كافٍ لتقليل الجرعة.
الجرعة الإشعاعية التي تلقوها كانت أقل من حدود الخطر المعروفة، ولم تُسجَّل آثار صحية طويلة الأمد عليهم.


ثامنًا: "حرارة القمر تصل إلى 120 درجة مئوية"


صحيح، لكن هذا لا يعني أن رائد الفضاء يتعرض لها مباشرة.
بدلة الفضاء نظام هندسي معقد ومكلف، يتكون من طبقات عزل متعددة ونظام تبريد داخلي يعتمد على تدوير سائل خاص. البدلة لا "تعزل فقط"، بل تدير الحرارة بنقلها والتحكم فيها لتصبح مناسبة لرائد الفضاء.


تاسعًا: "كيف وقفوا وتحركوا في الفراغ؟"


الفراغ يعني غياب الهواء، لا غياب الجاذبية.
القمر يمتلك جاذبية تعادل نحو سدس جاذبية الأرض. لذلك:
•    يقف الإنسان بشكل طبيعي.
•    يقفز أعلى.
•    يتحرك بخفة، لا طفوًا دائمًا.


عاشرًا: "لماذا توقفت الرحلات المأهولة بعد أبوللو؟"


السبب اقتصادي وسياسي لا علمي.
برنامج أبوللو كان مكلفًا للغاية، وأُنجز أساسًا في سياق سباق سياسي عسكري مع الاتحاد السوفيتي حينها. بعد تحقق الهدف، تغيّرت الأولويات نحو:
•    محطات فضاء.
•    مهام روبوتية أرخص وأكثر أمانًا.
ومع ذلك، لم تتوقف الاستفادة العلمية، فما تزال عينات القمر التي أُعيدت تُدرَس حتى اليوم وتنتج أبحاثًا جديدة، وسوف تبدأ ناسا مشروعا جديدا للعودة إلى القمر في بدية شهر فبراير القادم مالم يستجد جديد.


حادي عشر: "آثار الأقدام لا تشبه نعل الحذاء"


الآثار ناتجة عن الحذاء القمري الخارجي المصمم خصيصًا للتربة القمرية، وليس نعل الحذاء الأرضي العادي.


ثاني عشر: "لماذا لا يصور تلسكوب هابل العلم؟"


حجم العلم صغير جدًا مقارنة بالقمر، ودقة التلسكوبات المدارية، رغم عظمتها، غير مصممة لرؤية أجسام بهذا الصغر على سطح القمر. ومع ذلك، تُرى مواقع الهبوط وآثارها ككل، وهو المطلوب علميًا.


ثالث عشر: "لماذا لم تُرسل بعثات غير مأهولة أولًا؟"


أُرسلت بالفعل.
قبل أبوللو، هبطت مركبات غير مأهولة من الاتحاد السوفيتي (مثل لونا 9) ومن الولايات المتحدة (برنامج Surveyor) لإثبات إمكانية الهبوط ودراسة التربة.


رابع عشر: "كيف أقلعوا من القمر دون منصة إطلاق؟"


مركبة الهبوط كانت مكونة من مرحلتين:
•    مرحلة هبوط تُترك على السطح.
•    مرحلة صعود خفيفة تقلع من فوقها.
في جاذبية ضعيفة مثل القمر حيث تقل عن جاذبية الأرض بستة أضعاف، لا حاجة لمنصة ضخمة كما على الأرض.


خامس عشر: "كيف اشتعل المحرك دون أكسجين؟"


محركات مركبة القمر استخدمت وقودًا فرط الاشتعال (Hypergolic)، يشتعل تلقائيًا عند تلامس الوقود مع المؤكسد، دون الحاجة لشرارة أو أكسجين خارجي. هذا مبدأ معروف في هندسة الصواريخ.

الخلاصة
الهبوط البشري على القمر ليس قصة تُروى، بل حقيقة مدعومة بشبكة أدلة مستقلة: فيزياء، تصوير، عينات، قياسات، وتحقق دولي ممتد عبر عقود.
قد ينكرها البعض لعدم استيعابها أو لافتتانهم بفكرة المؤامرة، لكن الحقيقة العلمية لا تتغير بالإنكار، ولا تخضع للتصويت. هي تبقى، كما هي دائمًا، ساطعة مثل الشمس.

الكلمات الدلالية