عبد المجيد الزنداني وعلي سالم البيض.. تفكيك أسطورة الرمز السياسي
تميل المجتمعات الخارجة من الهزائم الكبرى والانكسارات التاريخية إلى صناعة الرموز أكثر من ميلها إلى مساءلة التاريخ ووضع الشخصيات الهامة موضع الاتهام. وفي هذا السياق، لا يبدو السعي المتزايد لأسطرة علي سالم البيض ظاهرةً معزولة، بل امتدادًا لثقافة سياسية يمنية وعربية اعتادت تحويل القادة المهزومين إلى أيقونات فوق النقد، كلما تعذّر الدفاع عن حصيلة أفعالهم بلغة العقل والنتائج.
ومن حسن حظ البيض، وسوء حظنا، أن اليسار الذي يسيطر على المشهد الثقافي من خلال كتائب الكُتّاب «العميقين» سيتولى صناعة البيض الرمز بدرجة عالية من الالتزام والولاء الأيديولوجي.
ما يجري اليوم من إعادة إنتاج لصورة علي سالم البيض، بوصفه رمزًا وطنيًا أو قائدًا تاريخيًا «مظلوميًا»، لا يختلف في جوهره عمّا فعله الإخوان المسلمون وخريجو جامعة الإيمان بعبد المجيد الزنداني، أو ما فعله أنصار المؤتمر الشعبي العام بعلي عبد الله صالح. في الحالات الثلاث، تُختزل السياسة في الشخص، ويُستبدل النقاش العقلاني بهالة تقديس تُجرِّد التاريخ من تعقيداته، وتحوّل القائد من فاعل سياسي قابل للمساءلة إلى رمز مقدس محصّن من النقد.
غير أن أي قراءة هادئة لمسيرة علي سالم البيض، بعيدًا عن الاصطفاف العاطفي والولاء الأيديولوجي، تكشف عن سجل سياسي مثقل بالتجاوزات والقرارات الفردية النزقة، التي تجلّت بعد أحداث يناير الدامية عام 1986. ففي تلك المرحلة المفصلية، كان جنوب اليمن بأمسّ الحاجة إلى مصالحة داخلية شاملة تعيد ترميم الحزب والدولة والمجتمع. إلا أن ما حدث فعليًا هو ترسيخ نهج الإقصاء السياسي، وتكريس منطق تصفية الخصوم، حتى داخل الصف القيادي نفسه.
في شهادة تلفزيونية لمهندس تقسيم الدولة اليمنية، رئيس الوزراء الأسبق حيدر أبو بكر العطاس، قال إن الذي خطط لتصفية عبد الفتاح إسماعيل، «المنظّر التاريخي للحزب الاشتراكي اليمني»، هو علي سالم البيض، في سياق صراع النفوذ. وبغضّ النظر عن التوصيف القانوني، فإن هذه الواقعة وحدها تنسف صورة «القائد نظيف اليد من الدم» التي يُعاد تسويقها اليوم.
أما قرار الذهاب إلى وحدة اندماجية كاملة في 22 مايو 1990، والذي يُقدَّم غالبًا كذروة النضال الوحدوي، فيستحق قراءة أكثر واقعية. فهذا القرار لم يكن ثمرة مشروع استراتيجي مدروس، ولا انعكاسًا لوعي قومي متجذّر، بل جاء في سياق أزمة خانقة عاشها الحزب الاشتراكي عقب انهيار المعسكر الاشتراكي، وتدهور الموارد المالية، وتآكل الشرعية الداخلية. في هذا السياق، بدت الوحدة خيارًا اضطراريًا، أقرب إلى «الهروب السياسي» منه إلى مشروع دولة متكامل. لقد اعتاد الرفاق أن يصفّي بعضهم بعضًا كل عدة سنوات، وحينها أحسّ الرئيس البيض بأهمية الفرار إلى الأمام.
وفي ذروة حرب 1994، اتخذ البيض قرار الانفصال منقلبًا على كل تاريخه الوطني والقومي، ولم يكتفِ بذلك، بل قصف مدينة صنعاء بصواريخ سكود، وهو فعل لا يمكن تبريره سياسيًا أو أخلاقيًا.
إن تفكيك أسطورة علي سالم البيض لا يعني شيطنته، بقدر ما يعني إعادته إلى حجمه الطبيعي كفاعل سياسي أخطأ وأصاب، لكنه تحمّل مسؤولية قرارات كبرى غيّرت مصير بلد بأكمله. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في شخص البيض وحده، بل في الثقافة السياسية التي تبحث دائمًا عن بطل أو خائن، ولا تقبل بفكرة السياسي بوصفه إنسانًا خاضعًا للمساءلة القانونية والتاريخية.
لقد أثبتت التجربة اليمنية، كما غيرها من التجارب العربية، أن تقديس السياسيين لا يبني دولًا، بل يؤسس لدورات جديدة من العنف والفشل. والتاريخ لا يُنصف إلا حين يُقرأ بعين نقدية، لا بعاطفة مثقلة بالحنين أو الغضب الأيديولوجي. وحده هذا التفكيك العقلاني للرموز يمكن أن يفتح الطريق أمام وعي سياسي أرشد، يتعامل مع الماضي بوصفه درسًا، لا صنمًا يُعبد.