تنبؤات شاعر
في أول زيارة للشيخ سالم مبارك الغرابي إلى هضبة حضرموت، مع بداية مرابطة الإخوة في حلف قبائل حضرموت هناك، للمطالبة بحقوق حضرموت، ففي ذلك اليوم المشهود بذلك الموكب الكبير الذي رافق الشيخ سالم مبارك مع تواجد الشاعر الفذ أحمد كرامة الغرابي بن الثبوخ، لكي يدخل تلك الجموع الغفيرة بشيء من شعره كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات، فأنشد الشاعر حمد بن الثبوخ في الحضور قصيدته الشهيرة عند دخولهم مقر حلف قبائل حضرموت في العليب بالهضبة.
شخصيًا تلك القصيدة ظلت ملازمة لي وبقيت عالقة في ذهني منذ ذلك الوقت وحتى اللحظة.
فهي -أي القصيدة- لمن يتمعنها ويقرأها القراءة الجيدة، سيعرف أن الشاعر بقصيدته هذه تنبأ بحدوث أشياء مستقبلية، أشياء ظهرت بعض بوادرها من قبل هذه القصيدة، وأتى بذكرها، وما هذه القصيدة في الأصل إلا تعريف بالقادم.
حتى إن الكثير من الحاضرين تعجبوا من هذه القصيدة، لما حملت من أشياء يرونها كأنها جديدة عليهم بمضامينها ومفرداتها، وهي بالفعل كذلك جديدة عليهم وعلينا.
إذ إنه قبل القصيدة حدث حدث مهم في ساحل حضرموت، وكان للشيخ سالم مبارك الغرابي موقف مشرف في هذا الحدث، وهو استماتة في إيقاف المعسكر الذي كان الترتيب له على قدم وساق في رأس باغشوة.
هذا المعسكر في حقيقة الأمر يعد مضرة على مرتادي جبل رأس باغشوة للاصطياد، وعلى عموم سكان المنطقة، ممن يقضون كثيرًا من أوقاتهم هناك للراحة والاستجمام.
فهو -أي المعسكر- سيقيد حركة الناس إن لم يتم منعهم من الاقتراب، كالذي هو حاصل لسكان الشحر وشحير من الصيادين.
الشيخ سالم مبارك بذل كل ما بوسعه، وكاد أن يدخل في مواجهات مباشرة لأجل إيقاف هذا المعسكر، ولكن حصل شبه اتفاق غير مرضٍ بحكم التخاذل المجتمعي الذي حصل (يعني مشي حالك)، والاتفاق على إبقاء عدد قليل من العسكر في هذا المكان.
وقصيدة الشاعر أحمد كرامة تشرح هذا الموقف البطولي للشيخ سالم مبارك في ذلك الوقت، مع إيضاحه في تنبئه المستقبلي بأن الشيخ سالم سيصبح له شأن كبير في مناطق كثيرة، وأيضًا تقديمه مواقف هي الأخرى كثيرة لحضرموت وأهلها، وها هو الوقت يدور ليفصح لنا ما قاله هذا الشاعر عن هذا الرجل الاستثنائي.
والآن تعالوا نسمعكم القصيدة حتى يتكشف لكم ما بها من تنبؤ لهذا الشاعر:
جينا مع سلطان في الشدة وقف
لا قالها دوري تدور الدائرة
الموت من أجل الكرامة والشرف
فخرة كبيرة للرجال الثائرة
هذه هي القصيدة التي تنبأت بإخلاص المقدم سالم مبارك الغرابي لحضرموت، فالشاعر لم يكذب إطلاقًا حين قال:
الموت من أجل الكرامة والشرف
فخرة كبيرة للرجال الثائرة
فالشيخ لم يبخل على حضرموت بشيء، بما فيها روحه، والشواهد على ذلك كثيرة، وآخرها ما حصل في وادي خرد من تقديم التضحية الكبيرة حتى نال بهذه التضحية الكرم والشرف والفخر الكبير الذي أشار إليه الشاعر في قصيدته.
فلتهنأ حضرموت وأهل حضرموت بمثل هؤلاء الرجال على قلتهم، ولتعش ويعش سكانها في اطمئنان على أنفسهم مادام بحضرموت الشيخ سالم مبارك الغرابي والأوفياء الآخرون.