صنعاء 19C امطار خفيفة

Politik Wagen

عربة الحرية.. الصورة كفاعل ثقافي -سياسي

عربة الحرية.. الصورة كفاعل ثقافي -سياسي

ما بين ما كان عليه حالي في اليمن، وما أصبحت عليه في ألمانيا -دارمشتات، لم يخرج الأمر عن نطاق المشهد المرئي -الواحد والمتباين معًا- صورة: تلتقط تفاصيل الحياة اليومية، قبل ثلاثة أعوام تقريبًا، عنونتها، بـ: "فوتوغراف الناس والمدينة".

كانت الصورة، ومازالت، بالنسبة لي مشروع حياة، أرى نفسي وما حولي من خلالها، لكن في المقابل لا أدري: هل تراني الصورة بالمثل؟ -العبارة تحتاج إلى شيء من التفلسف- ما أعرفه وأحس به: حيثما أكون تكون الصورة، رغم عدم دراستي واحترافيتي لفن التصوير، لكن روحي هي التي تصوّر وتحكي حكاية الصورة، وحكايتي أنا، من خلال الوجوه والحركة والنظرة والملبس والتوهان، الانشغال بالتفاصيل غير المرئية، والحلم الذي لا يحدد بنقطة أو فاصلة، ممتد وعميق كبحر.
نعم، في ثنايا الصورة أسبح، وأسترسل غارقة في محكيات: "يبدو أنه" مشهد كبير لا ينضب من حياتنا اليومية، تأسرني أكثر صور العابرين من كبار السن: رحلة محكية وصامتة معًا، لحيوات مختلفة تسكن في كل تجعيدة وجه وانحناءة وابتسامة وتأمل وتأوه، بما فيه حركة الأيدي والأصابع، ولسان حالهم المتأمل "إييييه، كانت لنا أيام"!
من فعالية يوم اللجوء العالمي 20 يونيو Paso
أمتثل لروح المدينة وإيقاعاتها: ناسها الملونين، متفرقات من كرنفالات الحياة وأنشطتها المتنوعة والمبهجة أيضًا -وما أكثرها- موسيقاهم والرقصات، حتى وهم ينتظرون وسائل المواصلات، كل حركة، نظرة، حنايا الوجوه وتقاطيعها، العكازات، غدوهم ورواحهم، ولا أغفل تأبط أذرع بعض واحتواء الأصابع، وطبطبة حبيبين أحدهما يتكيء على عصا أو عربة لذوي الاحتياجات الخاصة، سفر من حكايات مرئية ولا مرئية.
**
ماذا عن الحمام والطيور التي لا أمل من تصويرها في كل الفصول، وعن حمام ساحة المدينة، ما إن ألتقط صورها حتى تسارع الأخت التي تطعمهم، آمرة: "لا تصوري"! لماذا في كل مرة تصورين الحمام؟! امتثلت ولم أصور الحمام في وجودها، سوى تلك المحلقة في السماء أو على نصب "Ludwigssaule".
لا يمر يوم دون أن أخرج الى الشارع، أو Luisenplatz الحدائق، التجمعات البشرية، الاحتجاجات، الأغاني الفلكورية للشعوب، حلقات الرقص، الموسيقيين وكل بآلته، الفوتوغرافيين، المعارض المختلفة عن ذاكرة المدينة حربًا وسلمًا، والمهرجانات التي أتحول من خلالها طفلة تتعرف على كل شيء، أعياد الميلاد وهاينر فيست وغيرها، المسرح، وأعياد الكنائس، تنويعات الفصول الأشجار والزهور، ولحظات الشروق والغروب والثلوج... الخ، لا أعتب الشارع دون كاميرتي. أعترف أني لم أكن أعرف التعليمات (القوانين) الدقيقة للتصوير هنا، على عكس بلادي، لذا صرت أصور بعد الاستئذان. تعلمت ذلك مع الوقت، ومازلت أتعلم كل يوم وألتزم.
من فعالية يوم اللجوء العالمي 20 يونيو Paso
كانت كاميرتي حرة، بفضل عربة Paso,- Politik wagen، 2023 ،2025 تأخذنا في رحلات اندماج، من التجول للتعرف على بعض المعالم التاريخية والحضارية للمدينة، الاحتفالات بالأيام الدولية لحقوق الإنسان، التعارف والتثاقف... الخ، مع كاميرتي يتحقق هدف من أهداف برنامجها: التنوع، الحقوق والحريات الأساسية والمدنية، للناس والحياة، شعارات "لا للعنف، لا للعنصرية، لا للتطرف، نحو السلام، الديمقراطية، والتسامح والتعايش، حقوق النساء واللجوء... الخ، مبادئ آمنت بها واشتغلتُ عليها في بلدي -اليمن، ليس بالصورة فقط، بل وعلى أرض الواقع، وهنا اليوم أواصل العمل بالصورة إلى جانب من المشاركة المتواضعة في بعض التظاهرات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وأحيانًا بالصدفة تجدني تلقائيًا أشارك في أية فعالية مفتوحة في أي شارع أو ساحة، وفي وسطهم أدندن بالموسيقى وأصور وأرقص كأنني مدعوة "هههه"!
**
أبدأ من احتفائية Politik wagen "اليوم العالمي للاجئ" بدارمشتات، لكامب يضم لاجئين من أوكرانيا، يونيو 2025، جسدت ذاكرة اللجوء في الألفية الثالثة، وحتى ما قبلها، عندما بدأ لجوء الإنسان هربًا من الديكتاتوريات والحروب، والمجاعات ووو. سجلت كاميرتي في تلك الفعالية عشرات الصور، خصوصًا النساء، وجوههن المرهقة التي استعادت حيويتها بالأنس واللمّة على أطباق الأوطان الشهية، يبتسمن ويقهقهن، يتأملن، يسرحن كأنهن يتذكرن شيئًا حميميًا أضحى بعيد المنال!

من فعالية يوم اللجوء العالمي 20 يونيو Paso

كانوا يرسمون البيت والعائلة التي افتقدوها، أصص الأزهار في الحقول ترسم من قبل نساء وأطفال، صورهم وهم يسرحون ويمرحون، ثم يتوقفون ليرسموا البيت المدمر بالقصف.
سجلت كاميرتي الشعارات، والكتابات والأماني، لنساء انغرس الألم والبتر ليس في أجسادهن بل وأرواحهن، ويقاومن بالمشاركة وروح الحكايات والذكريات مع بعضهن، حتى في صمتهن وتأملهن أكثر من حكاية ولوحة: صورة.
كان يوم اللاجئ العالمي مشهدًا حميميًا واخزًا: وطن وبيت وحكاية.
تذكرتُ لودميلا الثمانينية في الفصل الدراسي لتعلم اللغة الألمانية -كنت قد كتبت مقالة عنها*- وغيرها من لودميلات أوكرانيا ونساء العالم اللواتي شردتهن الحرب، وأصبحن بلا وطن، وهن اليوم يرسمن وطنًا جديدًا. وبالمثل عندما حضرت أكثر من فعالية فنية، رأيت نظراتهن المتأملة، ومقاومتهن بالرقص والموسيقى واللعب وأدخنة الشواء والنبيذ.
لم تنس Paso روح القلم والكتابة للتعبير عن مكنوناتهم، مساحة الأمان وهم يرسمون بيوتهم ويلونونها وألعابهم وأياديهم، كانت أصابع تخط الحاضر وحلم المستقبل، تحت رسمة الشمس والبيت، والخارطة والعَلم، كُتب: "لو سُمح لي أن يكون لي صوتًا، ماذا كنت سأقرر...": كتبت هذه العبارة بالألماني والأوكراني، والإنجليزي "wir wollen leben، نعم نريد أن نعيش"، "wir wollem Frieden"، نريد السلام، مطالب خدمية الدعم النفسي للنساء الأوكرانيات جراء الصدمات والعنف، وقف الحرب، استعادة الوطن، الإفراج عن الأسرى... الخ، رسمة قلب لطفل كتب عليها "Ich liebe Darmstadt"، "أنا أحب دارمشتات"، دافعوا عن الحق، نريد أن نعيش، "نحتاج إلى السلام: لقد تعبنا"، رسم الأطفال مشاهد الطائرات والدم، مشهدية اللجوء مبثوثة في أكثر من مكان ليس في دارمشتات، بل في فرانكفورت، ماينز... الخ، صورت الفعاليات بمعنى الإنسان وذاكرته الجريحة، إذ كيف يحول الأحلام ومعنى الحرية إلى أنس وبهجة بالموسيقى والرقص والرسم، بصنع أكاليل زهور، أطواق حياة أخرى تزين رؤوس النساء والطفلات.
الصورة: حرية

من فعالية يوم اللجوء العالمي 20 يونيو Paso

كم ساعدتني الصورة في فهم اللغة التي -مازلت أعاني من تعلمها- أجد الصورة المشترك بيني وبين الناس، في فعاليات الديمقراطية، ومسرحية wir sind- "نحن هنا" وهتاف الأكراد والإيرانيات "زَنّ زَنْدَكي آزادي"، المرأة، الحياة والحرية، اليوم البرتقالي في اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة، اجتماع الأمهات، جسر الاندماج، اليوم العالمي للتنوع الثقافي، اليوم العالمي لمناهضة العنصرية، الدفاع عن الديمقراطية... الخ.
-Politik wagen لم تكن مجرد عربة فقط، بل جسر تواصل بيننا كمهاجرين ولاجئيين والمجتمع الكبير مدينة Darmstadt، لوطن أوسع اسمها Deutschland، أضافت معنى لوجودنا هنا، وكانت الصورة جواز عبور للتعرف على بعض تفاصيل الحياة. ففي المظاهرات والتجمعات المصرحة، تصبح التفاصيل المتوارية مرئية، أستطيع أن ألتقطها، على عكس ما يكون عليه الحال في الفضاء العام، وبحسب قواعد التصوير التي تعلمتها، غدوت أحدق وألتقط الصور ذهنيًا، أي بدون كاميرا.
ليس بأخير
الصورة والمدينة لا تعرفان السياسة المباشرة، لكن تُعرفان، بالثقافي المؤنسن: الذاكرة الجمعية لصور ضحايا النازية والفاشية: المحرقة وكابيلبلاتز، ليلة النار... الخ، ذاكرة آنا فرانك، والعديد من متاحف الذاكرة لتاريخ ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، عرفتُ وأحسست معنى منحوتات وهتافات والتخوفات، وكل المشاعر الإنسانية التي ترتسم على وجوه الناس "ألا يتكرر" مآسي الحروب، حق السلام، حق الحرية، وو.. عرفت لماذا يواصلن "أمهات ضد اليمين" -"Omas Gegen Rechts"، موجودات بقوة وبصوت عال في الفعاليات لحقوق الإنسان والتي لا تتجزأ، مثلما أهداف Paso، وعربتها السياسية، في الدفاع عن الحقوق والحريات.
نقطة ومن أول سطر الحياة:
الصورة، حرية!

الكلمات الدلالية