صنعاء 19C امطار خفيفة

مجهول الهوية(1)

مجهول الهوية(1)
صورة رمزية انشأت بالذكاء الاصطناعي

الجزء الأول

(1)
في أواخر التسعينيات، تفشت في الأزقة والشوارع ظاهرة مؤلمة؛ شبابٌ في مقتبل العمر فقدوا عقولهم، واتخذوا من الأرصفة سكنًا. كانت "تيسير" تحمل في ذاكرتها طفولةً محفوفة بالخوف من "المجنون"، ذلك الكائن الذي استُخدم كفزاعة لترهيب الصغار ومنعهم من الابتعاد عن المنازل، حتى استقرت في أعماقها "عقدة المجنون".
في تلك الحقبة، عاد "سليم" إلى اليمن عقب نيله شهادة جامعية في علم البرمجيات، حاملًا أحلامًا تلامس عنان السماء، وطموحًا لانتشال وطنه إلى مصاف الدول المتقدمة تكنولوجيًا. استقر في "الحديدة" مع والديه بانتظار درجته الوظيفية، غير أن القدر فجعه بمقتل والده بطلقة طائشة من سلاح شاب مستهتر. لم يمضِ شهر حتى لحقت به والدته منكسرة القلب حين علمت أن الجاني أفلت من العقاب لقرابته من أحد المتنفذين.
تضاعف حزن سليم حين سُلبت منه درجته الوظيفية لتُمنح لـ"ابن مسؤول" كان يزامله في الدراسة، وكان مهملًا فيها. انهار سليم تمامًا، وانزوى في منزله، واستسلم لاكتئاب حاد انتهى به إلى فقدان عقله. غادر منزله ذات يوم ولم يعد، وبعد بحث مضنٍ، عُثر عليه في حالة يرثى لها أمام مطعم بمدينة "حجة". سافر شقيقه "أحمد" لإعادته، لكن سليم اختفى مجددًا كفص ملح ذاب في الماء. وبعد أيام، صُدم الجميع بصورة جثة نُشرت على "فيسبوك" كُتب عليها "مجهولة الهوية"، وُجدت على طريق الحديدة إثر حادث سير. لقد كانت جثة سليم وكأنه كان في طريقه إلى المدينة التي شهدت انكسار أحلامه.
(2)
غيرت هذه الفاجعة نظرة تيسير جذريًا؛ فلم تعد ترى في المجانين "فزاعة"، بل قصصًا مأساوية لنوابغ لم يجدوا وطنًا يحتويهم. كانت تلمح في عيونهم ملامح خالها سليم، وتسمع في صمتهم صرخات الوجع الذي عاشته عائلتها وهي تلوم نفسها على التفريط فيه، وكيف تركوه وحيدًا، ولم يعالجوه.
ذات يوم، استوقفها في حارتها مشهد رجل يرتجف بردًا، ملتحفًا بطانية مهترئة. لم تتردد؛ أسرعت إليه بالكساء والطعام، وباتت ترعاه يوميًا، وتلمح في عينيه بريق امتنان يتجاوز الكلمات. وحين وجدت أطفال الحي ذات نهار يرشقونه بالحجارة، وبّختهم بشدة، ملقنة إياهم درسًا في الإنسانية. ثم توجهت إلى الصيدلية واشترت أدوات التعقيم، وجلست تضمد جراحه أمام دهشة المارة، وهي تتمتم بقلب محزون: "الله وحده يعلم أي وجع أوصلك إلى هذا الحال".
لم تكتفِ بذلك، بل بادرت لقص شعره، فانضم إليها أحد شباب الحي واتفقا على مبادرة أسبوعية لتنظيفه والعناية به. وحين حاولوا بناء مأوى صغير له من الصفيح، هدمه فور مغادرتهم، وكأنه يرفض أي حاجز يحجبه عن رؤية الناس. أصبح "المجنون" جزءًا من يوميات تيسير، وبات وجوده يطمئنها، وغيابه يثير في نفسها فوبيا فقدان خالها سليم مرة أخرى.
(3)
كانت تيسير تعمل محامية في مؤسسة العدل القانونية، تلقت ذات يوم تهديدًا بسبب إحدى القضايا، لكنها لم تبالِ. فقد اعتادوا في مهنتهم على السير بين حقول التهديدات والمخاطر ، وفي ذات مساء، بينما كانت عائدة إلى منزلها، اعترضت طريقها سيارة، وترجل منها رجلان سحباها بقوة وكتما صراخها. وبينما هما يهمان بعصب عينيها، أبصرت مشهدًا عجيبًا؛ رجل يوقف السيارة بضربات قوية وكأنه مارد انشقت عنه الأرض، همس للسائق بكلمات مقتضبة، ثم باغت الخاطف بضربة أسقطته، وانتشل تيسير بسرعة خاطفة.
لم تجد في الزقاق سوى "مجنون الحارة" الذي سار بمحاذاتها صامتًا حتى أوصلها لبيتها، ثم عاد لمكانه.
عادت لتحكي لوالديها ما حصل، فلم يستوعب أحد كنه ما جرى، لكن الأيام التالية كانت عصيبة. في منتصف ليلة تالية، هزت طرقات قوية بابهم، فلم يجد والدها طارقًا، لكنه وجد مظروفًا على الأرض ورسالة تحثه على مغادرة المدينة فورًا. وبالفعل، غادرت الأسرة "صنعاء" تحت جنح الظلام إلى "عدن".
هناك، في المدينة الساحرة، بدأت تيسير حياة جديدة؛ تزوجت ورزقت بطفلين، وفجعت بوفاة والدها في حادث مروري غامض.. ثم واجهت تجربة الطلاق المريرة، توالت الأحداث الجسام، لكنها كانت دومًا تستحضر صورة "مجنون الحارة" في ذاكرتها. وعندما كانت تبوح لأمها وأختها عن اشتياقها له وهي تصف بريق عينيه اللامع، وجماله الرباني، تضحكان منها، بل تعتبرانها قد فقدت صوابها.

الكلمات الدلالية