ذكرى انتحار الدولة داخل غرفة واحدة
في عدن لم يكن 13 يناير 1986 يوماً عادياً بل لحظة انفجار داخلي، لحظة قررت فيها السلطة أن تطلق النار على نفسها بدم بارد. لم يكن ما حدث مجرد معركة بل إعلاناً مبكراً عن عطب عميق في فكرة السلطة حين تُبنى على الولاء الأعمى لا على المؤسسات، وعلى الشخصيات لا على القوانين.
الرصاص الذي انطلق في مبنى اللجنة المركزية لم يكن يستهدف خصماً سياسياً بقدر ما كان يعلن نهاية وهم الاستقرار، ونهاية حلم الدولة التي أرادت أن تبدو قوية بينما كانت هشة من الداخل، قابلة للانفجار عند أول اختلاف.
عدن في تلك اللحظة تحولت من عاصمة لدولة إلى ساحة تصفية حسابات. الرفاق الذين تشاركوا الخنادق والمنافي والسجون وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة بعضهم البعض. السلاح الذي وُجه يوماً نحو العدو صار موجهاً إلى صدر الرفيق، وكأن التجربة السياسية بكاملها قررت أن تنقلب على ذاتها دفعة واحدة.

لم يكن صراع أشخاص فقط بل صراع ذهنيات. ذهنية ترى السلطة غنيمة حتى وإن غلفت بشعارات الثورة والاشتراكية والعدالة. وذهنية تعتبر الخلاف خيانة والاختلاف مؤامرة والتعددية ترفاً برجوازياً لا مكان له في دولة تقاد بعقلية الثكنة.
المفارقة القاسية أن الدولة التي رفعت شعار الإنسان الجديد انتهت إلى إنتاج مشهد بدائي، رفاق يطاردون رفاقهم في شوارع المدينة، وقادة يسقطون برصاص حراسهم، وحزب يتحول إلى مقبرة مفتوحة لأعضائه. لم تسقط الدولة بفعل مؤامرة خارجية بل سقطت لأنها لم تتعلم كيف تدير خلافها دون دم.
ومنذ ذلك اليوم صار 13 يناير جرحاً مفتوحاً في الذاكرة، جرحاً لا يندمل لأنه لم يُعترف به سياسياً وأخلاقياً كما ينبغي. تم التعامل معه بوصفه حادثة لا بوصفه علامة على فشل نموذج كامل في إدارة السلطة. وكأن التاريخ يُختزل دائماً في أسماء القتلى والناجين، لا في الفكرة التي أنتجت كل هذا الخراب.
13 يناير علّم اليمنيين درساً قاسياً، أن الدولة التي لا تمتلك مؤسسات أقوى من الأشخاص، ولا قوانين أعلى من البنادق، هي دولة مؤقتة مهما بدت صلبة. وأن السلطة حين تُدار بالعقلية الثورية الدائمة، لا تنتج استقراراً بل تنتج انفجارات مؤجلة.
بعد أربعة عقود تقريباً لا يزال شبح 13 يناير حاضراً في المشهد اليمني كله لا في الجنوب وحده. نراه كلما تحولت السياسة إلى سلاح، وكلما صار الخلاف مقدمة للتصفية، وكلما غابت الدولة وحضرت المليشيا حتى وإن ارتدت بزة الدولة.
لم يكن مجرد يوم دموي في تاريخ عدن، بل كان لحظة اعتراف قاسية بأن الحلم السياسي حين يُدار بلا عقل دولة يتحول إلى كابوس. وأن الثورة حين ترفض أن تنضج، تأكل أبناءها واحداً تلو الآخر، ثم تجلس على الركام لتسأل من الذي أطلق الرصاصة الأولى؟
