الصفحة الأولى
نحن لا نكتب لنبتعد، بل لنعود إلى بيوتنا القديمة، لطفولتنا، ولأنفسنا التي فقدناها في الزحام.
في زاوية الغرفة، بين سرير غير مرتب وصوت ماكينة أمه يتسلل إليه كمعزوفة، كان هناك كتاب في مكتبة والدته. لم يكن جديدًا، ولا لامعًا، ولا يحمل غلافًا مثيرًا. كان فقط... هناك. كأنه انتظر طويلًا أن يُفتح.
كان عمره ثلاثة عشر عامًا، بالكاد يعرف كيف يصمت، بالكاد يعرف كيف يُصغي. لكن في تلك الأيام، لم يكن هناك إنترنت، ولا أصدقاء يتسكّعون في المساء، ولا شيء يُشغل ذهنه. فمدّ يده، وفتح الصفحة الأولى.
لم يكن يعرف أن الكلمات يمكن أن تُحدث هذا. أن جملة واحدة قد تفتح نافذة على الذات، وأن فقرة قد تجرّه من سريره إلى مدينة لا يعرفها، وأنه سيضحك فجأة، ثم يحدّق في السطر الأخير كمن سمع سرًّا لا يُقال.
قرأ. ثم قرأ أكثر. ثم نسي أن الوقت يمر.
في اليوم التالي، بحث عن كتابٍ ثانٍ. ثم ثالث، ثم...
لم يعد يركض خلف الضجيج، صار يُصغي إلى الصمت، لأنه تعلّم أن في الصمت صفحات لا تُطبع، وفي الوحدة أحيانًا، ألف حوار.
لم يُخبر أحدًا. لم يكن بحاجة إلى أن يعرفوا. كأنه تعرّف إلى شيء لا يُقال: أن أول صفحة تقرأها لا تفتح لك حكاية فقط... بل تفتح لك الحياة.
مرت سنوات. لم يعد مراهقًا، لكنه ما زال قارئًا نهمًا كما كان. والكتب القديمة ما تزال تهمس له من الرفوف: "أنت لست هنا فقط لتقرأ... بل لتكتب."
في إحدى الليالي، أسرج ضوءًا خافتًا، وجلب دفترًا أبيض، وأمسك بالقلم. لم يكن في نيّته أن يكتب شيئًا عظيمًا، بل فقط... أن يكتب.
خطّ جملة. ثم شطبها. ثم كتب أخرى فمزّقها. ثم فجأة، تدفّقت الكلمات كأنها كانت تنتظره منذ سنوات. لم يكن ما كتبه رواية، ولا قصيدة، بل شيئًا يشبهه: متردّد، صادق، لكنه حيّ.
حين انتهى، لم يطبعه، لم ينشره، لم يُرسله لأحد. فقط قرأه بصوت خافت، ثم ابتسم. لأول مرة، لم يكن يقرأ ليهرب، ولا ليبني عالمًا داخليًا.
ومنذ تلك الليلة، صار يكتب كلّما ضاق به العالم، وصار يقرأ لا ليملأ الفراغ، بل ليُحاور الكتب.
وفي مقهى صغير على زاوية شارع لا يمرّ به كثيرون، جلس يكتب. كان يحمل دفترًا قديمًا وقلمًا أزرق. الصفحة الأولى كانت بيضاء... كانت تنتظر.
كتب عن صبيٍّ وجد كتابًا في غرفة فوضوية، وكيف تغيّرت حياته، عن الليالي التي قضاها يقرأ تحت الغطاء، عن أول مرة بكى فيها مع "آلام فرتر"، وعن أول مرة شعر أن قلبه ينبض بين السطور.
كتب عن الذين أحبهم، عن طفولته التي تنام في زوايا القرية، كتب ليجمع ما تبعثر منه، بين دفّتي كتاب.
وفي تلك اللحظة، فهم أن الكتابة ليست هروبًا،
بل عودة. نعم، عودة.
حين أنهى الصفحة، لم يقرأها. طواها بعناية، ووضعها بين صفحات كتاب قديم، ثم نهض، وتركها على الطاولة، وغادر.
بعد ساعة، دخل فتى في الثالثة عشرة، جلس في المقعد نفسه، وبينما ينتظر قهوته، فتح الكتاب. سقطت الورقة في حضنه. قرأها. وفي عينيه، لمعت تلك النظرة... نظرة من يفتح الصفحة الأولى، ولا يعود كما كان...