مستقبل اليمن رقصة أخيرة بين بقاء الاستنزاف البارد والانفجار العظيم
بناءً على المعطيات الراهنة في مطلع عام 2026، يبدو أن مستقبل اليمن في المدى القريب والمتوسط (2026 - 2030) يعطي قراءة معتمة، تتأرجح بين ثلاث مسارات كبرى، كل منها يحمل تحديات وجودية تتجاوز مجرد الصراع السياسي لتصل إلى رسم ملامح البقاء لهذا البلد.
نستطيع القول أن استشراف مستقبل اليمن سيناريو "اللاحرب واللاسلم" المزمن (الاستنزاف البارد)، وهذا هو المسار الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، ففيه يستمر الوضع كما هو عليه حالياً، من تجميد الجبهات، وغياب العمليات العسكرية الكبرى مع بقاء المناوشات المتقطعة، مما يعني بقاء الخريطة السياسية ممزقة بين سلطات الأمر الواقع في الشمال والجنوب والوسط.
يتبع ذلك الانقسام الاقتصادي باستمرار وجود مصرفين مركزيين وعملتين وقيمتين صرف مختلفتين، مما يعمق الفجوة الاقتصادية بين المحافظات ويجعل المواطن ضحية لـ "حرب العملات".
مع مرور الوقت تتأكل الهوية الوطنية أشد مما عليه الأن، حيث تنشأ أجيال لا تعرف اليمن كدولة واحدة، بل كانتونات معزولة تربطها فقط الجغرافيا المكلومة، وهذا سيناريو اشد قتامة ليس على مستقبل الوحدة الوطنية فقط على مستوى الإنتماء.
سيناريو "الفيدرالية القسرية" أو التفكك الهادئ، فتحت ضغط الواقع، قد يتجه اليمن نحو صيغة سياسية "هجينة"، لتحول كل منطقة مسيطر عليها إلى "إقليم شبه مستقل" يتبع جماعة معينة يدير شؤونه الاقتصادية والأمنية، مع وجود رابط اسمي ضعيف في العاصمة.
حيث قد يشهد عام 2026 وما بعده اعترافاً ضمنياً بمطالب "المجلس الانتقالي الجنوبي" وتقنين الانفصال من خلال مرحلة انتقالية مدتها سنتان أو أكثر، تؤدي في النهاية إلى استفتاء أو صيغة كونفدرالية.
بذلك سينصب تركيز القوى المختلفة على اقتصاد الموانئ بالسيطرة على الممرات المائية (باب المندب، البحر الأحمر) والموانئ الحيوية لتأمين موارد مستقلة بعيداً عن المركز.
سيناريو "الانفجار الشامل" أو الحل الجذري، وهو المسار الصادم الذي قد تفرضه المتغيرات الدولية من تأثير الصراع الإقليمي؛ إذا تصاعدت المواجهة في البحر الأحمر بين القوى الدولية والحوثيين، قد نرى تدخلاً عسكرياً نوعياً يغير موازين القوى على الأرض، أو يؤدي إلى عزل اليمن تماماً عن التجارة العالمية.
فيما توقعات وصول المجاعة إلى مستويات غير مسبوقة توقعات 2026 تشير إلى أن 23 مليون شخص سيحتاجون لمساعدات فالانهيار الاجتماعي قد يفجر ثورات جياع عفوية ضد جميع الأطراف السياسية، مما يؤدي إلى فوضى لا تخضع لأي تنظيم سياسي، أي حرب الكل ضد الكل.
أما ملامح المستقبل الاقتصادي (2026 - 2030)، إذا نجحت المفاوضات قد تعطي بوادر تعافٍ مشروطة بنمو طفيف يصل إلى 2.5% في 2026، لكنه يظل نمواً هشاً يعتمد كلياً على استئناف تصدير النفط والغاز، وهو أمر مرهون باتفاقات سياسية معقدة.
لكن سيظل الاقتصاد اليمني اقتصاداً تبعياً إغاثياً يعتمد على المنح الدولية وتحويلات المغتربين، مما يجعله عرضة للهزات مع أي تراجع في التمويل الدولي (الذي بدأ يتقلص بالفعل)، والسبب
لا يقتصر الوضع على هذه السيناريوهات، سأضيف أبعاداً أكثر عمقاً وتحليلاً للمستقبل، تركز على التحولات غير المرئية التي ستشكل وجه اليمن القادم، بعيداً عن صراعات الجنرالات والسياسيين:
أولاً: "خصخصة السيادة" وبروز فاعلين جدد، قد نتوقع في المستقبل القريب، أنه لن تكون الدولة هي اللاعب الوحيد، فاليمن يتجه نحو "خصخصة الحرب والسلم؛ حيث ستبرز مجموعات مصالح محلية (أمراء حرب، تجار أزمات، زعماء قبائل بتمويل خارجي) يملكون قرار الأرض أكثر من الحكومة أو المعارضة، والنتيجة: سيصبح من المستحيل التوصل لاتفاق سلام بجرة قلم في عاصمة أوروبية، لأن القرار أصبح مشتتاً بين مئات الرؤوس والمصالح على الأرض.
ثانياً: خطر "التصحر الاجتماعي" (هجرة العقول) ومنها المستقبل ينذر بكارثة ديموغرافية؛ فالطبقة المثقفة، الأطباء، المهندسون، والأكاديميون يغادرون اليمن بلا عودة، والصدمة اليمن القادم قد يجد نفسه بموارد طبيعية -إذا استُخرجت- ولكن بدون رأسمال بشري قادر على إدارتها، سنكون أمام مجتمع مشلول تقنياً ومعرفياً، مما يجعل الاعتماد على الخبرات الخارجية "استعماراً ناعماً" جديداً تحت غطاء إعادة الإعمار.
ثالثاً: اليمن كساحة "تصفير حسابات" تكنولوجية، مالا يأبه له السياسيين المخضرمين، إننا بدأنا نرى ملامح هذا في 2024 و2025، وسيتصاعد في 2026، حرب المسيرات والذكاء الاصطناعي، لذا سيتحول اليمن إلى ميدان لاختبار الأسلحة الرخيصة والذكية وقد بدأ، هذا النوع من الحروب لا يحتاج لجيوش ضخمة، بل لتقنيات يمكن إدارتها من خلف الحدود، مما يعني استمرار النزيف بأقل تكلفة للممولين وأعلى كلفة لليمنيين نزيف سيصعب ايقافه مالم تكن هناك دولة قوية.
رابعاً: التغير المناخي: العدو الصامت، فبينما يتقاتل الجميع على الحدود المشوهة، يزحف عدو لا يعترف بالسياسة، فأزمة المياه تتقدم، واليمن من أفقر دول العالم مائياً، والنزاعات القادمة في 2027 وما بعدها قد لا تكون سياسية، بل "حروب مياه" بين القرى والمدن، ولكم أن تتخيلوا جفاف المساحات الزراعية، إلى جانب الكوارث الطبيعية الأخرى والتي ستكون بمثابة مسمار جديد في نعش الاستقرار الاجتماعي.
خامساً: التحول من القضية الوطنية إلى الملف الأمني، فأخطر ما يواجه مستقبل اليمن هو تحول نظرة العالم له من دولة تحتاج لبناء إلى ثقب أسود يجب احتواؤه، هنا السياسة العالمية ستكتفي بضمان عدم تدفق اللاجئين وعدم انقطاع الملاحة البحرية، مع ترك الداخل اليمني يغرق في صراعاته البدائية، هذا الاحتواء هو أسوأ سيناريو لأنه يعني موتاً بطيئاً بعيداً عن الأضواء.
ختاماً: اليمن في 2026 يقف أمام عام الحسم؛ فإما الذهاب نحو خارطة طريق أممية حقيقية تُنهي الانقسام النقدي والمؤسسي، أو التحول رسمياً إلى دولة فاشلة وظيفياً تُدار بالوكالة وتعيش على هامش التاريخ.
فمستقبل اليمن ليس مجرد اتفاق سلام، بل هو سباق مع الزمن لاستعادة معنى الدولة قبل أن تتحول الجغرافيا اليمنية إلى مجرد مساحة جغرافية يسكنها ملايين الجوعى، محاطة بأسوار إقليمية ودولية مشددة.