صحوة السعودية في اليمن بين حماية المصالح وبناء الدولة
إن الصحوة السعودية تجاه اليمن اليوم محكومة تبدأ بسؤال جوهري لا يمكن القفز عليه: هل هي صحوة من أجل اليمن، أم صحوة من أجل مصالح المملكة من داخلها وخارجها، وتجار النفط التابعين لها؟ الجواب الواقعي أن الدافعين متداخلان، لكن طريقة إدارة هذا التداخل هي ما سيحدد إن كانت هذه اللحظة تحولًا تاريخيًا، أم مجرد إعادة ضبط مؤقتة لمسار قديم.
تعاملت السعودية في الماضي مع اليمن بوصفه عمقًا أمنيًا يجب ضبطه، لا دولة يجب بناؤها، هذا المنطق حوّل اليمن عمليًا إلى ما يشبه المزرعة الخلفية، تُدار عبر الولاءات لا عبر المؤسسات، وتُكافأ فيها الطاعة السياسية لا الكفاءة الوطنية ولا حب الوطن. النتيجة كانت واضحة: دولة ضعيفة، مجتمع مفكك تدخل فيها تداخلات تفل الديمقراطية وتقبل الآخر واحتواء الموقف وتحويله إلى تنمية وبناء، وليس إلى تصدع وحروب، ونخب تعيش على هامش الدولة بدل أن تبنيها. هذا النهج لم ينهض باليمن، ولم يحمِ السعودية، بل أسهم في خلق فراغ ملأه الحوثي، وتصارعت فيه القوى الإقليمية.
اليوم، تختلف الظروف. السعودية نفسها تغيّرت من الداخل. مشروعها الاقتصادي والاجتماعي الجديد لا يحتمل جوارًا مضطربًا، ولا يسمح بإدارة الملفات بمنطق اللجان الخاصة والولاءات المؤقتة. من هنا، فإن عودتها القوية إلى الملف اليمني يمكن قراءتها كصحوة مصالح بالدرجة الأولى، لكنها قد تتحول إلى فرصة يمنية إذا ما قُطعت الصلة مع أخطاء الماضي.
هذا التحول تجسّد في تقليص النفوذ الإماراتي، الذي تمدد خلال السنوات الماضية، وأنتج سلطات موازية قيّدت الشرعية وأضعفتها، كما انعكس في إعادة تمكين رشاد العليمي، الذي ظل لفترة طويلة رئيسًا بصلاحيات منقوصة، مقيدًا أمام نفوذ الانتقالي في عدن اليوم، ومحصورًا بحزب الإصلاح الذي عبث في تعز، ووسط هدنة مؤقتة فقدت احتمالية الحسم ضد النفوذ الإيراني للحوثيين، ومع الدعم السعودي، بات يمتلك هامش حركة أوسع، ما يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة ومرجعية القرار.
لكن صحوة المصالح لا تكفي وحدها. خارطة الطريق المطروحة اليوم لا يمكن أن تنجح إذا ظلت حبيسة الحسابات الأمنية، أو إذا أعادت إنتاج منطق الولاء بدل الوطنية. بناء السلام لا يمر فقط عبر تقليص نفوذ خارجي، بل عبر تفكيك منظومة الفساد التي تغذت على إدارة اليمن كملف، لا كبلد. تعز، وما تعرضت له من حصار وقتل وتهميش، تمثل الامتحان الأول لأي حديث جاد عن إصلاح.
القضية الجنوبية، رغم اختصارها سياسيًا في مرحلة سابقة عبر إدماج رمزي في السلطة، أثبتت أن الاحتواء الشكلي لا يصنع استقرارًا. التعامل معها كملف أمني أو كأداة توازن، سيعيد إنتاج الصراع، بينما إدارتها ضمن مشروع دولة عادلة هو وحده الكفيل بإغلاق باب الانفصال دون خلق مظلومية جديدة.
خارطة الطريق الحقيقية إن كانت السعودية جادة في تبنيها، يجب أن تقوم على قطيعة واضحة مع فكرة اليمن كحديقة خلفية، وإنما على تعزيز أبنائها في النهضة والتنمية والعيش الكريم دون الطبقية في خضم الحرب الاقتصادية القادمة. وعلى الانتقال من إدارة النفوذ إلى دعم الدولة، ومن شراء الولاءات إلى بناء المؤسسات. المصالح السعودية لا تتناقض مع نهضة اليمن، بل ستقويها. وبدلًا من أن تهنش في أبنائها تحت مظلة التباين الطائفي والمناطقي والطبقي التي تسبب تصدعًا بين الفينة والأخرى، وهذا التلاقي لن يتحقق تلقائيًا دون قرار سياسي شجاع يعترف بأن أخطاء الماضي كانت جزءًا من المشكلة.
الصحوة السعودية اليوم قد تكون لحظة إنقاذ مزدوجة، للمملكة ولليمن معًا، أو قد تتحول إلى مجرد إعادة تموضع أكثر ذكاءً لضياع اليمن والاحتفاظ بنخبة الأحزاب والولاءات المتلونة بحسب مصالحها إقليميًا.
الفارق بين الخيارين تصنعه خارطة طريق تُبنى على أساس متين، قوامه أن اليمن وطنٌ للشعب، وأن الشعب للوطن، وأن تُقام دولة قائمة على الحقوق والحريات والتنمية، كما تفعل السعودية مع أبنائها، أم أنها ستُبنى مجددًا على الأدوات والولاءات، لنعود إلى تجرّع العناء ذاته الذي عشنا فيه عقودًا طويلة؟
هنا فقط سيتبيّن إن كانت هذه الصحوة من أجل اليمن أولًا... أم من أجل من يديره، عبر إفراغ ما تبقّى من محتوى الدولة.
هنا فقط سيتبيّن إن كانت هذه الصحوة من أجل اليمن أولًا... أم من أجل من يديره، عبر إفراغ ما تبقّى من محتوى الدولة.