كلنا ضحايا فلا أحد يضحك على أحد
أنت في اليمن، هذا البلد المختلف عن كل ما حوله من بلدان في كل شيء.
إنه بلد العجائب والغرائب.
وبما أنه بات ملحوظًا في لقاءات الناس هنا، والتي يغلب على أحاديث هذه اللقاءات الجانب السياسي على ما دونه من جوانب أخرى، حتى وإن كانت تلك الجوانب أولى منه، وذات أهمية بالحديث، إلا أنهم مصممون تصميمًا عجيبًا على جعل أحاديثهم منصبة في الجانب السياسي، ومنقسمون إلى طرفين؛ طرف تراه في وضعية دفاع، وطرف في وضعية هجوم، بحكم المتغيرات السياسية التي تحصل من فترة متقاربة لأخرى، على خلاف سكان الجوار ممن ظل حكامهم في كراسيهم ولا يهتمون بشيء، فهؤلاء الحكام تفرغوا تفرغًا كاملًا لإيجاد الأعمال لهم، وتوفير الخدمات، حتى نسوا السياسة، وكرزوا على ما يفيدهم وأجيالهم.
إن ما يميز هذه الأحاديث الحاصلة عندنا هو أنك ترى طرفًا يضحك على الطرف الآخر، ويعايره، بل يقلل منه، وهذا الشيء هو في الأصل تبادل أدوار لا غير.
فمن رأيته الأمس في وضعية الدفاع، بقدرة قادر أصبح في وضعية الهجوم. وهكذا باتت حياتنا دواليك (من دار ناصر لدار بوبك).
ما قد يغفل عنه هؤلاء المتخاصمون، على كثرتهم في طول وعرض البلاد، في هذه الأحاديث، أنه من يعتقد مجرد اعتقاد أنه محسوب على الطرف المنتصر، ويقلل ويضحك من الطرف المهزوم، فلهم نقول كم تضمنون أن يستمر هذا النصر وهذه النشوة البادية على وجوهكم؟ ألم تروا من تضحكون عليه اليوم سبق أن ضحكوا عليكم من قبل؟
للجميع ألم تعتبروا من الشواهد ومن معطيات الماضي والحاضر وحتى المستقبل يتراءى وكأنه كمن سبقه؟
إخوتي نحن مسيرون، ولسنا بأنفسنا من يصنع هذه الانتصارات التي سرعان ما تختفي ولا تبقى بعدها إلا الأوجاع والتشتت والتمزق.
فلا أحد يضحك من أحد بعد اليوم مادمنا بهذه الحالة التي لم تتغير للأحسن.
كفوا عن إيذاء بعضكم البعض، وتجابروا، أو كما قال الشاعر:
اتجابروا يا ناس شعوا الدنيا دنيه
مغرورة غلابة لها ألفين ليه
فيها ابن آدم ضيف نازل ما يدوب
مسكين يا قلبي قفا الأحباب متعوب
هذا الشاعر لم يخطئ حين دعانا للمجابرة والتقارب، وليس كما هو حاصل بسبب هذه النكبات المتتالية التي تعصف بنا كتيار حتى فعلت ما فعلت، فنعود للتقارب وكلمة سواء، ونترك ما يفرقنا كإخوة في الأرض والدين.