كلمة لا بد أن تُقال
بعد أن صار الدم والرصاص عنوانًا لحسم وتسوية قضايا الصراع والخلاف والاختلاف السياسي، وتم استبعاد العقل السياسي كمحرّك وموجّه لعناوين الصراع في بلادنا شمالًا وجنوبًا، وبعد أن اعتلت عناوين صياغة مستقبل بلادنا منحنى يماثل ما صاحب سابقًا انقلاب صنعاء، فإن الأمر يضعنا أمام متغير أسوأ مما كان. فقد باتت بلادنا أمام خطر شرعنة القوة واعتلاء آلة الحرب لحسم الصراع الذي تبدّل محتواه وهدفه.
فبدلًا من توجيه فوهات البنادق والمدافع صوب انقلاب صنعاء، تحوّل الأمر نحو جادة الخطأ، أي احتراب صفوف الشرعية التي جرى ويجري تفتيتها وإضعاف معاول قوتها.
ولذلك، وبسبب أسبابه المتراكمة، وبدلًا من تهيئة مناخات وأجواء ووسائل تضمن نجاح معالجات موضوعية لما شكّل أسبابًا موضوعية أضعفت وأثّرت سلبًا على مشروع ومهام الشرعية الوطنية، بدءًا من مؤتمر الرياض الأول غداة انتهاء مؤتمر الحوار الوطني، مرورًا بالتوصل إلى اتفاق الرياض بكل مضامينه التي جرى – للأسف – تجميدها والقفز والالتفاف عليها، ظلت توجهات السياسة تنحو صوب اكتساب المنافع والمكاسب الذاتية بين طرفي اتفاق الرياض.
وقد سَرَتْ مع ذلك عمليات سيولة وغموض وركود وتجميد للاستحقاقات الجوهرية التي نصّ عليها الاتفاق، والمتمثلة بما يلي:
تهيئة كل السبل لمواجهة انقلاب صنعاء على الدولة ومصادرة مؤسساتها.
عدم الدخول الجاد في مضامين من شأنها توفير كل الأسس والمتطلبات الوطنية لتوحيد قوات الشرعية الأمنية والعسكرية في مؤسسات ناظمة تتبع قيادة الشرعية، موحّدة الإرادة وغير متعارضة الأهداف.
ظلّ التنافس بين أطراف اتفاق الرياض يطغى على وجوب توافر وحدة القرار السياسي لهيئات الاتفاق (شرعية وانتقالي)، مما أظهر خلافًا جوهريًا في الأداء والتوجه، وكان كل طرف يغني على ليلاه، الأمر الذي عزّز القول بأن الواقع لا يحتمل أن تصل الأمور إلى حالة يصح فيها القول: سيفان في غمد واحد لا يمكن ولا يستقيم.
وهنا نسأل: وعلى من تُقام الحُجّة إذن؟
لوجه الله والوطن نقول، ودونما مواربة أو خوف، خدمة لوطن تمزّقت عراه وتُراق دماء إخوته وأشقائه هدرًا، إن الحُجّة تُقام على من ارتضى أن يكون طرفًا وعنوانًا لذلك الاتفاق، بينما يمارس على الأرض أعمالًا تتعارض بالمطلق مع جوهر الاتفاق.
فالقضية الجنوبية لها محاورها وكيفية الوصول إلى معالجتها وحلّها بمقتضى ذلك الاتفاق، ووفق المرجعيات التي تضمّنها، وهي مهمة استراتيجية تقع على عاتق ثلاثة أطراف:
طرف الشرعية: عبد ربه ومن تلاه.
المجلس الانتقالي، باعتباره بعد اتفاق الرياض جزءًا من الشرعية، ويتطلب الأمر تقيّده بنصوص وردت في الاتفاق لا يجوز الانحراف عنها، كما جرى لاحقًا تحت أي اعتبار. وكان الأحرى به أن يغادر الاتفاق ليتحلل من أعبائه، فالأكل باليدين يخنق كما يقال.
الجهات الراعية لاتفاق الرياض، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية الشقيقة، ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي تدير لعبة الأواني المستطرقة عن بُعد وفق رؤيتها الخاصة.
لكن، كما لاحظنا وعايشنا، فقد سارت الأمور خلافًا وعكسًا لما تشتهيه سفينة رحلتنا في الأزمة الوطنية طيلة سنوات الحرب بكل خرابها، وخاصة بعد قيام مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الرئيس العليمي وعضوية المجلس الانتقالي. إذ عاشت بلادنا وشعبها مدًّا وجزرًا، وابتعادًا عن الهدف الأساس الذي من أجله تكوّن المجلس الرئاسي، وتحول إلى مماحكات خدمت بالأساس الطرف الذي كان سببًا في إيصال البلد إلى حالة التمزق، أي طرف انقلاب صنعاء.
والآن، بعد أن هاج البحر وتلاطمت أمواجه، وسال الدم، وانشطرت عرى المجلس الرئاسي إلى درجة الاحتراب التي تماثلت مع ما جرى بعد حرب 1994، دون أن نغفل القول إن الشطط الذي قاد دومًا إلى الاحتراب وتمزق عرى ما كان يجمع فرقاء التوافق، تمثّل بممارسة ثلاثة عناوين في الاتجاه الخطأ:
العنوان الأول:
المراوحة دون مواجهة حقيقية لحل ومعالجة قضايا التناقضات والخلافات بين أطراف الشرعية، آنذاك وحاليًا، وخاصة ما كان يدور من خلافات ترقى إلى صراعات بين أعضاء المجلس الرئاسي.
العنوان الثاني:
الإصرار على خلق مؤسسات موازية تُضعف وتتجاوز مؤسسات الشرعية، التي – للأسف – ظلت تتآكل ويتم إضعافها.
العنوان الثالث:
الذهاب لفرض عناصر القوة واستعراض العضلات، ليلي ذلك مباشرة التوجه بعيدًا نحو تمزيق عرى الوطن، كما لاحظنا في البيانات الصادرة عن المجلس الانتقالي، التي تتجاوز بل وتلغي الشرعية التي هو جزء وشريك فيها، بل ويستمد شرعيته منها.
ونأتي للتعليق على ما طُرح من معالجات لهذه الدراما الدموية، في محاولة لإعادة لملمة خيوط الأزمة – إن أمكن – لإيقاف اللهيب المشتعل والدماء التي تسيل، لنرى ونسمع ما يلي:
أولًا:
يطرح المجلس الانتقالي رؤية لها بريق يلمع في عناوين معينة، لكنها تتضمن نيرانًا تحرق وألغامًا قد تدمر بلدًا بأكمله. وكم كان جميلًا أن يطرح الانتقالي ويتبنى رؤية وطنية تتجاوز وتحجّم انقلاب صنعاء، كما ورد في بعض فقراتها وإشاراتها التي تُشكر عليها.
لكنه أغفل التأكيد على أهمية أن أي رؤية مستقبلية للخروج من نفق الأزمة، باتت ضرورة تتطلب مشاركة حقيقية من كل المكونات والشخصيات الوطنية المرتبطة بالقضية الوطنية الجنوبية، التي جرى ويجري استبعادها عمدًا، مع ضرورة إيلاء اهتمام خاص بمكانة واستحقاق محافظة عدن التي جرى ويجري تهميشها وتجاوزها، وإن وُجدت فذلك من باب المنّ والسلوى.
وهو ما لا يستقيم مع أي مشروع وطني يتوخّى معالجات مستقبلية لإشكال تاريخي ظل وسيظل هاجسًا رنّانًا إن جرى تجاوزه أو تهميشه.
وهذا هو ما يتوجب قوله، مع الدعوة والتوجه المتمثل في احتضان الرياض مؤتمرًا للقوى الجنوبية، وهو توجه نوجّه له التحية. لكن ينبغي التأكيد على جملة من الأمور التي جرى القفز عليها، وتتمثل بما يلي:
أولًا:
إدانة أي خروج على الثوابت والمرجعيات الوطنية المتوافق عليها من أي طرف كان.
ثانيًا:
عدم الاستعجال في تمرير القوائم والأسماء التي تم توزيعها بعجالة؛ فالأمر خطير وجلل، ويحتاج إلى تقييم موضوعي لأخطاء مضت وخلفيات كانت سببًا فيما وصلنا إليه، وتتطلب الضرورة تجاوزها.
ثالثًا:
عدم تجاوز أي مكونات أو شخصيات وطنية جنوبية سياسية أو ثقافية، ضحّت وكانت في مختلف المراحل عناوين بارزة للحراك الوطني الجنوبي بمسؤولية تاريخية، لا يجوز تحت أي مسوّغ تجاوزها أو إهمالها. ولا داعي لذكر أسماء، فالأمر معروف، خاصة وأن القوائم المعلنة أُعدّت على عجل، ولم تمثل الطموح المنشود.
فالهدف ينبغي أن يتجاوز أخطاء المراحل السابقة، وأن تُشرع آفاق المستقبل على قراءات ومواقف تبتعد عن المقاييس النفعية والمكايدات السياسية.
المستقبل لا يُبنى بأحقاد وأخطاء الماضي، بل يُبنى بآفاق مشاركة حقيقية دون مزايدات أو ابتزاز؛ فالزمن والوطن ملك للجميع، والقدرات والمواقف، والتاريخ الآتي، كفيلة بإظهار المعدن الصحيح.