صنعاء 19C امطار خفيفة

الحنفية.. المسافة المرنة بين العقل والنص

هناك مدارس فقهية تميل إلى الاحتياط وأخرى توسع مجال التعليل. الحنفية تنتمي إلى الثانية. مدرسة نشأت في الكوفة في القرن الثاني الهجري ثم ازدهرت في بغداد، لتقول للعالم إن النص ليس صندوقاً مغلقاً وإن العقل ليس دخاناً يعلو على الواقع بل أداة لاستيعاب الحياة وفهمها. أبو حنيفة الرجل النحيل الذي يظهر في كتب التاريخ مجرد مدرس للفتاوى، كان في الحقيقة موسيقياً للفقه يعزف على أوتاره بدقة، كل حكم مدروس وكل اجتهاد تجربة وكل مسألة يومية اختبار لعقل الإنسان.

تاريخ الحنفية يشبه معادلة رياضية حيث كل قاعدة لها استثناء وكل نص يحتمل أكثر من تفسير وكل قضية تُوزن بعناية.
تموضعوا في منطقة وسطى بين التشدد الحرفي والميل إلى التوثيق النصي الصارم. يدرس فقهاؤها النصوص ويفتحون أبواب التأويل ويقدمون النصح بهدوء، محاولةً لتحقيق عقلانية متوازنة في بيئة تميل إلى التطرف. كل فقيه يجرب المسائل كما يجرب الكيميائي مزيجًا من المواد بدقة وحساب واحتمالات مع تقليل الانفعال والتسرع.
استطاع الحنفية أن يجعلوا العقل واجهة الدين، والقياس أداة النجاة، والحياة اليومية اختبارًا للفكر. صنعوا جسراً بين الحكمة القديمة والواقع المعاصر، يضع العقل في قلب الدين، والتمرد على الحرف في صميم العبادة. صمتهم الهادئ يترك أثراً أعمق من أصوات الغوغاء، وفكرهم المبطن يشبه نبض ساعة دقيقة، كل ثانية فيها تجربة وفلسفة ومغامرة عقلية.
وللحنفية نصيبهم من النقد ومن سوء الفهم المزمن. يوسعون القياس حتى يكاد يصبح سلطة موازية للنص، ويحولون الفقه إلى مختبر احتمالات حيث الأسئلة الافتراضية أكثر حضوراً من الوقائع. يُتهمون بأنهم يضعون العقل في موضع القاضي الذي يراجع النص ويعيد ترتيب معانيه، حتى يبدو الحكم وكأنه نتيجة حساب لا أثر.
في عيون خصومهم، الفقيه الحنفي أشبه بمهندس قانوني يكثر من المخارج حتى يفقد النص حدته الأولى. غير أن هذا النقد يغفل أن منهجهم وُلد في مدينة تموج بالتنوع والصراعات حيث الواقع أعقد من أن يُحكم بحرف مجرد. توسعهم محاولة لضبط الفوضى وكثرة تفريعاتهم انعكاس لواقع متشعب، وبرودتهم الحسابية تخفي خوفًا عميقاً من أن يتحول الدين إلى ردود أفعال متسرعة.
هكذا يقف الحنفي بين صورتين متناقضتين، عقلاني يوسع التفكير وفقهي يكثر الفرضيات، وبين الصورتين تجربة جعلت الفقه نظاماً حياً يتحرك داخل عالم متغير دون فقدان صلته بالنص.

الكلمات الدلالية