صنعاء 19C امطار خفيفة

هذا ليس أوان الحوار!

صالح والبيض وهادي والعليمي


يحتاج اليمنيون إلى التحرر من رهاب "الزيود" الذي صار الآن مختزلًا -حتى حين- في جماعة الحوثيين، ورهاب الانفصال الذي تكرس أولًا عند النخب الحاكمة (صالح ورجاله وبينهم الرئيس الحالي ومدير مكتبه)، ثم تحول إلى كابوس يطارد معارضيه من قيادات الإصلاح والحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري وأحزاب اللقاء المشترك. وهؤلاء جميعًا مدفوعين بفعل الحراك الجنوبي وجماهيريته في 2007 إلى 2014، ذهبوا إلى الحل الفيدرالي، شريطة أن يكون الجنوب والشرق (الجنوب قبل 22 مايو 1990) إقليمًا واحدًا (الحزب الاشتراكي) أو إقليمين (الرئيس السابق هادي والإصلاح أساسًا). وفي المرحلة الانتقالية تسيدت الفيدرالية العمياء النقاش العام، وصارت عقيدة اليمني الشمولي الجديدة؛ يؤمن بها ويختزلها إلى شعارات ومقولات براقة، ويبحث في كتب المؤرخين والنسابة وفي الممالك القديمة من حضرموت ومعين وسبأ وحمير، عما يؤكد صلاحيتها لـ"يمني" القرن الـ21!

تبسمت كثيرًا وأنا أتابع مداخلات السياسيين وشيوخ القبائل وقادة المكونات الاجتماعية والقبلية، فضلًا على المعلقين في فضائيات يمنية وسعودية. ذلك أن المداخلات والتعليقات في أغلبها تجتر مقولات 2012 و2013 التي قادت إلى مشروع دستور 2014 والتقسيم الفيدرالي الاعتباطي الذي جاء كمخرج كارثي لعقل سياسي يمني مأزوم.

-----------------------------------

نشأت الدول الفيدرالية بناء على وضع أمر واقع سبق كيان الدولة؛ الولايات المتحدة وألمانيا، فولاية (دولة) تكساس الأميركية أو بفاريا الألمانية وجدتا قبل نشوء الدولة بعقود. وكذلك الحال في الإمارات العربية المتحدة مثلًا التي شاءت الأمور ألا تكون إمارتا قطر والبحرين جزءًا منها!

لكن الدولة البسيطة التي نشأت قبل قرون من قيام الجمهورية الفرنسية، بقيت إلى حد ما دولة بسيطة، فهي ليست مهيأة للتحول التلقائي في الطبيعة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة من دون أن يعني ذلك بقاء الأمور على حالها.

في 2005 وأنا أكتب الحلقة الأولى من سلسلة "عالم سنان"، استدللت بمقولة للفرنسي دي توكفيل (القرن الـ19) المعجب بالنموذج الأميركي، إذ قال إنه رأى "وطنًا صغيرًا سعيدًا ووطنًا كبيرًا مهابًا"، قاصدًا الولاية (state) والدولة الاتحادية الأميركية (us). لكني لم أعلم أن الرجل عاد مسرعًا إلى فرنسا وهو يصرخ وجدتها!

-----------------------------------

استدعيت مقولة المفكر الفرنسي وأنا أرد على سؤال مباغت لنائبة ألمانية كانت ضمن الوفد الذي رافق المستشار الأسبق كول، في زيارته إلى صنعاء، في 2005. سألت مجموعة من الصحفيين وممثلي المجتمع المدني: هل يحب اليمني دولته؟

وقد أجبتها: لا، إلا إذا ضمنت له امتيازات، فاليمني العادي يعتز بوطنه، لكنه يكره دولته بسبب غياب العدالة.

-----------------------------------

اليمن الواحد ولد بسيطًا في 22 مايو 1990، واستمر عدة سنوات قبل أن تنفجر أزمة كبرى في أعقاب أول انتخابات برلمانية، أبريل 1993، أدت إلى "وثيقة إجماع وطني" موقعه في الأردن من أمين عام المؤتمر الشعبي (الرئيس الأسبق على عبدالله صالح) ونائبه علي سالم البيض (أمين عام الحزب الاشتراكي)، لكن الدماء ما لبثت أن أغرقت وثيقة العهد والاتفاق بعد حرب صيف 1994.

-----------------------------------

في 2012 أفرز الخطاب السياسي المأزوم محددات حكمت سنة الحوار الوطني (2013). وانتحت لاحقًا (مطلع 2014) وثيقة جوفاء وتقسيم اعتباطي يضحي بوصاب وسقطرى وعدن وحضرموت من أجل الخلاص من "المركز المقدس" ومنع الانفصال، وكانت الكارثة في صيف وخريف 2014 والحرب في 2015.

في 2012 رفض الرئيس هادي وسايره قادة الأحزاب التهيئة للحوار عبر إصلاحات ومعالجات فورية للمظالم في الجنوب وصعدة. وأدى ذلك إلى انعقاد الحوار بشكل فوضوي يخدم مصالح الأقوياء وحملة السلاح، الذين تمكنوا بسهولة في صيف وخريف 2014 من السيطرة على اليمن بدءًا من عمران وصنعاء وأبين وصولًا في 2015 إلى اليمن كله.

-----------------------------

في مقال قادم يمكن عرض بدائل خارج "صندوق وضاح" بشأن المرحلة الانتقالية الجديدة.

الكلمات الدلالية