شتلات أبوظبي الشيطانية
كل من انتزع السلطة وأصبح سلطة أمر واقع يتمتع بشهية تمساح وأسنان تطحن الحجر ولا ينسحب بسلام، لأن عقيدته -كأية مليشيا- تقوم على السلب والنهب والاستيلاء، وكلما أكل ازداد جوعًا، فالجائع إلى السلطة لا يشبع أبدًا، ولا يردعه ضمير ولا أخلاق عن إطلاق غرائزه البدائية العربيدة في الأرجاء، وترويع السكان بالتفجيرات والاغتيالات والاختطافات، ومداهمة البيوت، والسطو على الأراضي وأحواش المرافق العامة، والمعالم الأثرية والسياحية، والمتنفسات والشواطئ، وكل ما يشكل رئة المدينة وعناصر جاذبيتها وذاكرتها.
كل أصابع الاتهام تشير إلى جهة تحمل لعدن اضطغانًا دفينًا وانتقامًا لعينًا، بأثر راجع، فهي كانت مدينة تخطف أنظار العالم، وكان ميناؤها عالميًا قبل أن تظهر مدينة اسمها دبي.
إن تلك الجهة هي التي قامت بتسليط الجانحين والجهلة والسفهاء والمجرمين على رقاب المساكين في المدينة المنكوبة، ومكنتهم من مخافر الشرطة والسجون، ونقاط ومراكز تحصيل الجبايات والإتاوات والإيرادات، وفرض الوصاية والشراكة الإجبارية، وبيع الحماية لمن لا يطلبها ولا يريدها (حتى الحكومة كانت تدفع 10 مليارات ريال كرهينة صاغرة)، وكل ما أتاح لهم امتطاء القطار السريع للثروة، وحولهم إلى أمراء وأغنياء حرب، ملاك فنادق، محلات صرافة، محطات وقود، وشركات تجارية على حساب معاناة وبؤس أهالي عدن التي طالما انقطعت عنها خدمات الماء والكهرباء، وقتلها العطش، وطفت على سطحها طحالب الأثرياء الطارئين الذين غدوا يتحركون بمواكب السيارات المصفحة والمسلحة والفارهة والحراسات المدججة لجنرالات لم يسبق لجلهم أن وضع قدمه على عتبة كلية عسكرية أو أكمل دراسته الابتدائية.
تعلم هذه الجهة، أي دولة الإمارات، أنها هندست لهذا الكابوس وهذه المخلفات بمنهجية شريرة، لتقوم بتفجير الأوضاع بين الحين والآخر، وفي كل حين، حتى عندما انسحبت، فهي لم تنسحب رغم إعلانها عن ذلك بعد ساعات من ابتداء المهلة التي تفضل بها عليها الرئيس العليمي حين أصبح صاحب صولة وجولة، بعد أن كاد أن يلقى حتفه في معاشيق لولا تدخل المقدم محمد سعيد الزهراني، قائد الكتيبة 702 في الجيش السعودي، ووقوفه في طريق كتيبة الإعدام التي كانت متوجهة لاختطافه، وصرخته: "لن تعتقلوا الرئيس رشاد العليمي إلا على جثتي".
في 13 يناير 2026، قام العليمي بتكريم الضابط الزهراني، ومنحه وسام الشجاعة لدوره في حمايته "واستقرار الدولة والمؤسسة الرئاسية". وقد تحلى العليمي في ذلك اليوم بوقار أي رئيس دولة، وبدا كأنه يقيم على أرضه في هذا العالم!
لقد كانت الإمارات تحكم السيطرة على موانئ الجنوب كلها، وعلى المطارات ومحطات إنتاج النفط والغاز، وعلى سلسلة الجزر، ومنها ميون وأرخبيل سقطرى الذي تزيد مساحته على مساحة دولة البحرين خمس مرات، وكانت تحكم سيطرة اقتصادية حصرية على هذا الأرخبيل والرحلات السياحية التي تصل إلى الجزيرة عبر أبوظبي فقط، وهي لم تكتفِ بنقل شتلات من الأشجار والنباتات النادرة من سقطرى، بل قامت بنقل شتلات بشرية واستزرعتها في عجمان والفجيرة، ومنحتها الجنسية، في سياق توجهها لبناء سردية تقول بأن الإنسان السقطري هو في الأصل: إماراتي..!
صحيح أن خسارة الإمارات كانت فادحة ومتراكمة لنفوذ وأوراق ضغط عملت على بنائها منذ أكثر من عشر سنوات، ولكنها خسرت، أيضًا، ما يتجاوز الجغرافيا اليمنية، ليطال طموحها في المحيط الهندي، وشبكة نفوذ إقليمية صممت بعناية خلال أكثر من عقد، ولم تكن اليمن إلا منصة متقدمة لإدارة نفوذ بحري وأمني، وليس مجرد ساحة حرب.
ما حدث هو أن "فائض القوة" الذي أغراها وأغواها بالتوجه الصحراء للإقامة على التخوم الجنوبية للسعودية 700كم، وعلى الحدود العمانية 350كم، عبر وكيل محلي أحمق وغبي، وقد استدعى ذلك تدخلًا سعوديًا حاسمًا لإنهاء انقلاب أبوظبي العاصف على معالم الجغرافيا والتاريخ والسياسة، وقد جاء هذا التدخل بناء على طلب الرئيس العليمي، الناجي من براثنها.
لا شك أن أبوظبي مستفزة ومغتاظة إلى حدود لا يمكن تصورها من العليمي، وهي لن تتصالح مع المملكة إلا على جثته، ولن توقف التصعيد الحربي واستخدام أوراقها المحلية ونهجها التصعيدي الرامي إلى استنزاف السعودية وإغراقها في "المستنقع اليمني".
لقد أحدث التدخل الإماراتي تفكيكًا وخرابًا كثيرًا وكبيرًا أوشك على إفناء الكيان اليمني، وجاء التدخل السعودي لـ"احتواء التفكك" أولًا، وقبل كل شيء آخر، وتلك قصة تالية.