حسين المهذب!!
حسين المهذب
قلتُ: يا أستاذ حسين — وكان يومها وكيلاً للخدمة المدنية —
هذا صديقي من حافة الميدان بتعز، تخرّج من الاتحاد السوفيتي كمهندس، ويريدك أن ترسله إلى الجهة المناسبة لمؤهله.
سأله: إلى أين ترغب في أن نرسلك؟
قال صاحبي اللطيف:
أسألك بالله أن توظفني في إحدى الجهتين: الضرائب أو الجمارك.
بس أنت مهندس!
ولو.
طيب، ليش في الضرائب أو الجمارك؟
ضحك صاحبي حتى بدت أسنانه الخسعة:
أشتي أسرق حتى أشتري سيارة، وأبني بيت، وبعدين برجع لك تودّيني فين ما تشتي.
ضحك الأهجري:
ما هو يا عبده، من أديت لنا هذا الجني!
وجّه صاحبي كلامه إليّ:
خلاص، رح لك، وأنا بتفاهم مع الأستاذ حسين.
شكراً إنك أوصلتني إليه.
هنا أشهد أن الأهجري لم يكن يعيد أحداً من باب مكتبه.
رِحتُ لي.
بعد حوالي سنتين، أقل أو أكثر، كنت عائداً بسيارتي من القرية، وبعد أن تجاوزت النَّشْمة، كان ثمّة باص حكومي خلفي. تجاوزني وخفّف سرعته لأسمع صوتاً ليس بالغريب عن أذني يناديني. هدّأت سرعتي، كان هو قاسم بأسنانه التعزية الخسعة، وصوته الذي طالما أثار أشجاني للميدان في المدينة القديمة، تعز وحوافيها، وبالذات حافة إسحاق:
الله لا فتح عليك، أنت السبب في الجعجعة التي أنا فيها!
قلت:
إيش في؟
ما رحتش الجمارك ولا الضرائب؟
— صاحبك ما وافقش، الله لا فتح عليكم الاثنين!
ضاحكاً قلت:
مش قلت لي خلاص روح وأنا سأدبر نفسي؟
أيوة، فلم أستطع. أرسلني إلى الأشغال، وها أنت تشوف الجعجعة.
بعد أشهر مات قاسم، وبكيته كما لم أبكِ أحداً.
حسين الأهجري، رحمه الله، ظل نبيلاً طوال عمره؛ متواضعاً، ودوداً، ابن صنعاء الجميلة التي لا تهديك سوى جمالها. ظل هو هو، لم يتغير مطلقاً، ولم تفارق الابتسامة محيّاه…
في الخدمة المدنية، وفي الأهلي، ظل هو. لاعباً لن أكذب فلم أتذكره كلاعب، لكن كشخص عام في النادي وابن الأهلي أعرفه جيداً، لأنني جزء من المشهد الرياضي ومن شعب صنعاء ووحدتها. أنتمي إلى الشعب، وأحمل بطاقة الوحدة التي منحها لي الأستاذ أحمد الشبيبي، الذي لم يعد يتذكره أحد…
ذات نهار، مسكني من يدي زميل المدرسة وصديق الحياة، الأستاذ النبيل حسين علي كامل. كانت ساحة مدرسة عبد الناصر مفتوحة على الصحة المدرسية ونادي الوحدة:
يا أستاذ، اقطعوا بطاقة عضوية لابن الشيخ.
وهكذا كان، ولا تزال بطاقة نادي الوحدة معي إلى اللحظة.
وقد احتدم الخلاف بين الأهلي والوحدة على اتحاد كرة القدم، وهو امتداد للتنافس الشريف في ميدان الكرة. التقيته ذات مساء، همست في أذنه:
لكي نخرج من هذا العجين، تفاهم مع علي الأشول بالتحديد.
وهذا ما كان، لنرى قيادة الاتحاد رؤوسها من الأهلي والوحدة وبقية الأندية…
في جنازته بدا الزمن قاسياً على ملامح الوجوه التي حضرت لتشييع جثمانه، ومن مختلف أندية صنعاء، وحضور ابن صنعاء الأصيل يحيى سرور، الذي يقاوم تجاعيد الزمن في أرواحنا بطيبته ونشاطه وحضوره إلى الآن…
حسين الأهجري، ابن الزمن الجميل لصنعاء والبلاد كلها، حمل قيم الطيبين ورحل…
سلام عليك، سلام.