ترتيب الفوضى وفق كتالوج خارجي
الجنوب الذي ظل لسنوات مؤجلاً بوصفه ملفاً حساساً، تحول فجأة إلى أصل الصراع. ما يجري لا يعني أن الحلفاء صاروا أعداء بل أن الخريطة صغرت وأن الغنيمة لم تعد تتسع للجميع. في هذه الرقعة المكتظة بالمصالح، صار الجنوب نقطة التقاء تناقضات إقليمية ومحلية، حيث لا أحد يتحدث عن وحدة اليمن أو تفككه بدافع أخلاقي، بل بلغة النفط والموانئ والممرات البحرية.
المجلس الانتقالي يتصرف كأنه شركة أمنية تبحث عن عقد دائم. يتمدد لا لأنه قوي بل لأن الفراغ أوسع من خصومه. تمدده لا يجري باسم الانفصال وحده، بل باسم "ترتيب الفوضى" وفق كتالوج خارجي جاهز، يُراد له أن يضبط الإيقاع لا أن يصنع دولة. الجنوب بهذا المعنى، لم يعد مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل صار اختباراً عملياً لنجاح أو فشل القرارات التي تُصاغ في عواصم بعيدة، ثم تُسقَط على أرض لا تعترف إلا بموازين القوة.
في المقابل يبدو مجلس القيادة الرئاسي كمجلس إدارة شركة على وشك الإفلاس، أعضاؤه مختلفون على من يوقع الشيك الأخير. مجلس أُنشئ لجمع التناقضات، اكتشف أن التناقض لا يُحل إلا بالاستعانة بالتحالفات الخارجية. إعلان حالة الطوارئ، حظر المنافذ، توحيد القوات.. كلها إجراءات رمزية تذكر الجميع بالدولة لكنها لا تغير شيئاً على الأرض. استمرار الصراع الداخلي يعني أن السلطة الفعلية ستكون للجغرافيا وليس للقرارات. مجلس وُلد كحل مؤقت فصار مشكلة دائمة، بلا مشروع جامع وبلا قدرة أو جرأة على تفكيك المشاريع الصغيرة التي تنخر جسده من الداخل.
وسط هذا المشهد، يقف الحوثيون مستمتعين بالعرض. كل تصدع في معسكر خصومهم هو رصيد إضافي لهم، وكل خلاف جنوبي-جنوبي أو سعودي-إماراتي يقرأ في صنعاء بوصفه دليلاً جديداً على "حكمة الصمود". خبرة الجماعة تقول إن الزمن يعمل لصالح من يعرف كيف يربح الوقت، وأن القتال المباشر ليس دائماً الأداة الأنجع. لذلك لا تتوسع عسكرياً لأنها لا تحتاج، وتكتفي بترك الآخرين ينهكون أنفسهم في إدارة فوضاهم.
السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار الوضع القائم مع تحسينات شكلية لا تمس الجوهر. لا حرب شاملة تحسم ولا سلام شامل يُنقذ. سنشهد هدنات متقطعة، ووساطات متكررة، وإعادة تدوير للخطاب نفسه مع تغييرات طفيفة في اللهجة. في المقابل ستتعزز الكيانات المحلية، وستتآكل الفكرة الوطنية أكثر، ويُعاد تعريف اليمن بوصفه مساحة نفوذ لا دولة.
المستقبل بهذا المعنى، لا يحمل مفاجآت بقدر ما يحمل تكراراً أكثر قسوة. الجنوب سيواصل تآكله السياسي، لا باتجاه دولة مستقلة، بل نحو كانتونات أمنية تتعايش على حافة الانفجار. مجلس القيادة سيبقى قائماً شكلياً لغياب بديل متفق عليه، وسيبقى الحوثي الطرف الأكثر تماسكاً، لا لأنه يحمل مشروع دولة، بل لأنه الوحيد الذي لم يُقسّم نفسه بعد على شركاء متعددين.