صنعاء 19C امطار خفيفة

بين الوحدة والانفصال

ما يمر به اليمن اليوم من اضطراب سياسي وانقسام حاد لا يمكن اختزاله في صراع بين خيارين: وحدة أو انفصال. فالمشهد أعقد من ذلك بكثير، وما يجري على الأرض ليس تعبيرًا صادقًا عن إرادة شعبية بقدر ما هو نتيجة توترات سياسية إقليمية ودولية، استُثمرت بعناية لزعزعة كيان الدولة، وضرب المجتمع في أمنه ومعيشته ومستقبله. في قلب هذا الصراع يقف المواطن اليمني أعزلًا، يدفع ثمن صراعات لا قرار له فيها، بينما تتغذى قوى السلاح وشبكات المصالح على الفوضى والانقسام.

الدعوة إلى الانفصال، كما تُطرح اليوم في الجنوب، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والعسكري المحيط بها. فهي ليست ثمرة استفتاء شعبي حر، ولا نتيجة نقاش وطني شامل، بل خطاب سياسي تصاعد في ظل الحرب والانهيار، واستُخدم كأداة ضغط ومساومة. وكما يقول المثل اليمني القديم: «لو كان شمس كان أمس»، أي لو كان هذا الخيار نابعًا من إرادة شعبية خالصة ومتكاملة، لكان قد تبلور منذ سنوات، لكنه تحول إلى صراع طويل لم ينتج سوى مزيد من الدماء والانقسام.
لقد عاش اليمنيون الوحدة في تفاصيل حياتهم اليومية قبل أن تصبح شعارًا سياسيًا أو مادة للخلاف. كان الجنوبي يقصد الشمال صيفًا، ويجد الشمالي في الجنوب دفء الشتاء ومساحته المفتوحة. علاقات اجتماعية، وتداخل اقتصادي، وروابط إنسانية عميقة، لم تكن تعرف هذه الحدود الصلبة التي فرضتها الحرب والخطابات التعبوية. هذه الوقائع لا يمكن محوها بقرارات فوقية أو دعوات آنية، لأنها تشكل جزءًا من الذاكرة الجمعية لليمنيين.
ومع ذلك، لا يمكن، ولا يجب، إنكار عدالة القضية الجنوبية. فالجنوب تعرّض لظلم حقيقي، وإقصاء سياسي، ونهب منظم لثرواته، حوّل موارده الهائلة إلى ملكية ضيقة يتحكم بها أفراد وشبكات نفوذ. إن المطالبة باستعادة هذه الثروات، وتوظيفها لصالح أبناء الجنوب، مطلب مشروع وأخلاقي، لا جدال فيه. التنمية الديموغرافية، والتنمية البشرية، والتنمية الاقتصادية، ليست شعارات، بل حقوق أساسية، وبدونها لا يمكن الحديث عن استقرار أو شراكة وطنية حقيقية.
في المقابل، لا يقل الشمال معاناة. فالمجتمع الشمالي يعيش تحت سلطة ميليشيات فرضت واقعها بقوة السلاح، وبدعم خارجي واضح، وسيطرت على العاصمة ومؤسسات الدولة، وحولت السياسة إلى غنيمة، والاقتصاد إلى أداة حرب. المواطن في الشمال، كما في الجنوب، يبحث عن الأمان، وعن دولة تحميه، لا عن شعارات تُستخدم لتبرير مزيد من العنف.
وبين شمالٍ مُنهك وجنوبٍ مُستغل، تقف قوى ومؤسسات وشبكات مصالح تتقن إدارة الصراع، وتستثمر في استمراره. هذه القوى لا يعنيها لا وحدة ولا انفصال، بقدر ما يعنيها بقاء الفوضى، لأنها البيئة المثالية لتراكم النفوذ والثروة. لذلك يتم تضخيم الخطابات الانقسامية، وتحويل المطالب العادلة إلى أدوات تحريض، وإفراغ القضايا الحقيقية من مضمونها الإنساني.
من هنا، فإن طرح مسألة الوحدة أو الانفصال بوصفها خيارًا سياسيًا مجردًا هو تبسيط مخلّ للواقع. فالوحدة التي تُفرض بالقوة ليست وحدة، بل شكل آخر من أشكال الهيمنة. والانفصال الذي يُبنى على الكراهية والتحريض لا يمكن أن ينتج دولة مستقرة أو عادلة. الخيار الحقيقي يجب أن يكون نابعًا من إرادة شعبية حرة، تُعبَّر عنها في ظروف طبيعية، بعيدًا عن السلاح والوصاية الخارجية.
إن مستقبل اليمن لا يُحسم بالشعارات، ولا بالمزايدات السياسية، بل بإعادة الاعتبار للإنسان اليمني، شمالًا وجنوبًا، بوصفه محور أي مشروع وطني. العدالة، والمواطنة المتساوية، والتنمية المتوازنة، وبناء دولة قانون، هي الأساس الذي يمكن أن يُعيد تعريف معنى الوحدة، أو يفتح نقاشًا ناضجًا حول أي صيغة سياسية يختارها الشعب.
في النهاية، ليست المشكلة في الجغرافيا، بل في من يحكمها، وليست الأزمة في الوحدة أو الانفصال، بل في غياب الدولة العادلة. وما لم يُعاد هذا النقاش إلى أصله الإنساني والوطني، سيبقى اليمن عالقًا بين خيارين زائفين، بينما الحقيقة أن خلاصه يبدأ من كرامة مواطنيه، لا من خرائط السياسة.

الكلمات الدلالية