الشرعية بين النص والسلاح: (متى تنتهي حالة اللاسلم واللاحرب الممنهجة في اليمن؟)
لا يمكن فهم الأزمة اليمنية الراهنة باعتبارها مجرد صراع سياسي أو نزاع على السلطة، بقدر ما هي أزمة عميقة في مفهوم الشرعية الدستورية، نتجت عن كسر متدرّج للنصوص الحاكمة للدولة، واستبدالها بمنطق القوة والأمر الواقع. فاليمن لا يعيش فقط حالة حرب غير مكتملة أو سلم معطّل، بل حالة مركّبة من "اللاسلم واللاحرب"، تُدار فيها البلاد خارج منطق الدولة والقانون.
لقد أثار مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ: "بين الشرعية الحقيقية والمنتحلة" -المؤرخ الثلاثاء 22 ديسمبر 2025م المنشور في صحيفة الشورى الإلكترونية- نقاشًا مهمًا حول تآكل الدولة وتعدّد سلطات الأمر الواقع، وهو توصيف يلامس واقعًا لا يمكن إنكاره. غير أن جوهر الخلاف لا يتمحور حول تشخيص الانهيار، بل حول المعيار الدستوري الذي على أساسه يمكن القول إن الشرعية سقطت، ومتى، وكيف، وبفعل من.
من منظور دستوري، تقوم الشرعية في النظام الجمهوري على مبدأ واضح لا لبس فيه: السلطة العامة تفويض شعبي يمنح عبر آليات محددة، ولا يجوز نقلها أو التصرّف بها خارج النص. غير أن ظروف ما بعد 2011 فرضت مسارًا سياسيًا استثنائيًا، تمثّل في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، التي أُقرت بتوافق القوى السياسية اليمنية على رئيس توافقي هو عبد ربه منصور هادي، ولم يكتف بتوافق القوى السياسية بل تم تزكيته من خلال انتخاب شعبي غير تنافسي منقطع النظير، وأضفت طابعًا انتقاليًا مؤقتًا على ممارسة السلطة.
وصحيح أن انتخاب عبد ربه منصور هادي في 2012 لم يكن تأسيسًا لشرعية دائمة، بل كان إجراء استثنائيًا لإدارة مرحلة انتقالية محددة المهام، هدفها تفكيك الأزمة والعودة إلى المسار الدستوري الطبيعي عبر دستور جديد وانتخابات عامة. وبذلك فإن هذه الشرعية، رغم هشاشتها ومحدوديتها، لم تكن شرعية منتحلة، بل شرعية توافقية مقيدة بالمسار السياسي الذي أنشأها، ولا يمكن اعتبارها منتهية بفترة سنتين أو أقل أو أكثر، بل تكون مرتبطة بإنجاز مهام محددة: 1. الاستفتاء على الدستور؛ 2. إنجاز انتخابات برلمانية ورئاسية... إلخ.
فالقول بسقوط الشرعية تلقائيًا بانتهاء مدة زمنية يعتبر قولًا مبسطًا يتجاهل مبدأ دستوريًا مستقرًا في الفقه المقارن، هو مبدأ الاستمرارية الدستورية، الذي يمنع حدوث فراغ في رأس السلطة متى تعذّر إجراء الانتخابات لأسباب قاهرة. غير أن هذا المبدأ مشروط جوهريا ببقاء العملية السياسية ضمن الإطار السلمي والدستوري، وبألا يتحوّل الاستثناء إلى ذريعة دائمة لتعليق النصوص.
المنعطف الحاسم في المسار اليمني لم يكن فشل الأداء السياسي، ولا سوء الإدارة، ولا حتى الفساد، رغم خطورتهما، بل كان الانقلاب المسلح على العملية السياسية السلمية بقوة السلاح. فالقانون الدستوري لا يعترف باكتساب السلطة بالقوة، ولا يُقرّ بأي تغيير سياسي يتم تحت الإكراه أو التهديد. وحين يُستبدل التوافق بالسلاح، فإن الشرعية لا تنتقل، بل تنقطع.
وقد جاءت استقالة الرئيس الانتقالي في سياق إكراهي واضح، في ظل حصار فعلي وتعطيل لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها مجلس النواب، الجهة الدستورية الوحيدة المخوّلة بقبول الاستقالة أو رفضها. والاستقالة التي تصدر في غياب الإرادة الحرة لا تُنتج أثرًا دستوريًا، ولا يجوز البناء عليها لترتيب انتقال سلطة أو إعادة هندسة النظام السياسي.
غير أن اللحظة الأخطر دستوريًا لم تكن في الانقلاب ذاته، بل في ما تلاه، حين جرى عزل الرئيس وتشكيل كيان سياسي بديل. فهنا تم تجاوز أحد أكثر المبادئ الدستورية رسوخًا: أن رئيس الجمهورية لا يملك حق التنازل عن منصبه، ولا تفويض شرعيته، ولا نقلها إلى مجلس أو هيئة أو فرد. فالمنصب الرئاسي ليس حقًا شخصيًا، بل وظيفة عامة مصدرها الشعب، ولا يجوز التصرف بها خارج الآليات الدستورية المنصوص عليها.
بهذا الإجراء، لم تنقل السلطة، بل جرى إعدام ما تبقّى من مفهوم الشرعية الدستورية، وفتح الباب أمام تعدّد مراكز القرار، وتحويل الدولة إلى كيان مُفكك تدار شؤونه وفق موازين القوة لا أحكام القانون. ومنذ تلك اللحظة، دخل اليمن في حالة اللاسلم واللاحرب بوصفها حالة مُدارة، لا مرحلة عابرة.
إن جميع سلطات الأمر الواقع القائمة اليوم، على اختلاف مواقعها، تشترك في افتقادها الأساس الدستوري. فلا السلاح يمنح شرعية، ولا الاعتراف الخارجي يصنعها. فالشرعية الدولية، في منطق القانون العام، هي انعكاس للشرعية الوطنية، وليست بديلًا عنها. وكل محاولة للالتفاف على هذا المبدأ، سواء بالقوة أو بالوصاية، لا تؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسام.
الخروج من هذا المأزق لا يكون بإعادة تدوير سلطات الأمر الواقع، ولا بتغليب منطق الغلبة، بل بالعودة إلى الأساس: النص الدستوري، والإرادة الشعبية، والتداول السلمي للسلطة. فالشرعية لا تُنتجها البنادق، ولا تحميها البيانات، بل يصنعها الدستور ويحرسها صندوق الاقتراع.
وما لم يُحسم هذا المبدأ، ستبقى اليمن معلّقة بين نص مُعطَّل وسلاح متقدّم، في حالة لاسلم ولاحرب، يدفع ثمنها وطن كامل.