عندما تكون الدولة «بضعة أشخاص»
ليست الدولة كيانًا مجردًا أو بناءً إداريًا محايدًا، بل هي تعاقد تاريخي وأخلاقي بين السلطة والمجتمع، تقوم على تمثيل الإرادة العامة، وحماية المصالح المشتركة، وإدارة الموارد لصالح الجميع. غير أن هذا المعنى يتآكل حين تُختزل الدولة في عدد محدود من الأشخاص، فتتحول من مؤسسة عامة إلى ملكية خاصة، ومن فضاء جامع إلى أداة للهيمنة والإقصاء. هذه الظاهرة ليست طارئة في التاريخ السياسي، لكنها تظهر بوضوح في الدول الدكتاتورية أو القمعية، أو تلك التي تعاني من ضيق الأفق السياسي وغياب المشروع الوطني.
اختصار الدولة في قلة من الأفراد يؤدي حتمًا إلى تعطيل منطق المؤسسات، وإفراغ القوانين من مضمونها، وتحويل السياسة إلى شبكة علاقات شخصية تقوم على الولاء لا على الكفاءة. في مثل هذه الأنظمة، لا تُدار الدولة بوصفها كيانًا حيًا متحركًا، بل كغنيمة ثابتة، تُوزَّع مواردها وفق ميزان القرب والبعد من مركز النفوذ. وهنا يبدأ الانفصال العميق بين الدولة والمجتمع، حيث يفقد المواطن إحساسه بالانتماء، ويتحول إلى مجرد متلقٍ للقرارات، أو ضحية لها.
اليمن مثال صارخ على هذا النمط من الاختزال السياسي. فمنذ أكثر من خمسين عامًا، جرى حصر الدولة في أيدي أشخاص معدودين، تناوبوا على السلطة أو تشاركوا في إدارتها عبر صيغ مختلفة، لكنهم حافظوا جميعًا على جوهر واحد: احتكار القرار، وتهميش المجتمع، وتعطيل التداول الحقيقي للسلطة. وبدلًا من بناء دولة حديثة مندمجة في العالم ومتغيراته، جرى تكريس بنية سياسية هشة، ذات علاقات خارجية محدودة، غير قادرة على إنتاج تنمية حقيقية أو استقرار مستدام.
هذا الاحتكار لم يقتصر على القرار السياسي فحسب، بل امتد إلى الثروة الوطنية. فقد تم التصرف بالموارد الاقتصادية للبلاد وكأنها ملك خاص، تُدار بمنطق الريع لا بمنطق التنمية، وتُستخدم لتعزيز النفوذ لا لبناء الاقتصاد. ونتيجة لذلك، ظل اليمن خارج مسار التحديث الاقتصادي، يعاني من ضعف البنية التحتية، وتآكل الخدمات، واتساع رقعة الفقر، في وقت كانت فيه دول أخرى، بموارد أقل، تنجح في بناء نماذج أكثر استقرارًا وانفتاحًا.
إن اختزال الدولة في أشخاص قلة يُنتج بالضرورة نظامًا سياسيًا مغلقًا، يخشى التغيير، ويقاوم الإصلاح، لأنه يدرك أن أي انفتاح حقيقي سيهدد الامتيازات المتراكمة. ولهذا تُقمع الأصوات النقدية، ويُنظر إلى المعارضة بوصفها خطرًا وجوديًا لا مكونًا طبيعيًا من مكونات الحياة السياسية. ومع مرور الوقت، يتحول القمع إلى ثقافة، ويصبح الخوف أداة حكم، وتُدار البلاد بعقلية الطوارئ الدائمة.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الحكم يُضعف الدولة نفسها. فالدولة التي تُدار بعلاقات شخصية لا تستطيع الصمود أمام الأزمات، لأنها تفتقر إلى المؤسسات القوية القادرة على الاستمرار بمعزل عن الأفراد. وحين ينهار التوازن بين الأشخاص المتحكمين، أو تتغير موازين القوة، تتفكك الدولة سريعًا، لأن بنيتها لم تُبنَ على قواعد راسخة، بل على تفاهمات هشة ومؤقتة.
إن استعادة معنى الدولة في اليمن، أو في أي بلد يعاني من الظاهرة ذاتها، لا يمكن أن تتم دون تفكيك هذا الاختزال. فالدولة ليست أشخاصًا، بل منظومة قوانين ومؤسسات، تقوم على الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص. وهي لا تُبنى بالولاءات الضيقة، بل بالمواطنة المتساوية، ولا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشراكة.
الخروج من مأزق الدولة المختزلة يتطلب مشروعًا وطنيًا يعيد الاعتبار للسياسة بوصفها عملاً عامًا، لا صفقة مغلقة، ويعيد توزيع السلطة من المركز إلى المجتمع، ومن الأشخاص إلى المؤسسات. دون ذلك، سيظل الوطن عالقًا في دائرة مفرغة، تتغير فيها الوجوه، بينما يبقى الجوهر واحدًا: دولة مختطفة، ومجتمع مهمش، ومستقبل مؤجل.