شارع الستين.. المسمار الأول في نعش وحدة اليمن
تؤكد الأحداث والحقائق اليوم أن الشعب اليمني كان موحدًا قبل الوحدة، ومتعطشًا أكثر لوحدة إرادته السياسية، وعاش وهجها ورونقها عامًا ونصفًا بعد تحقيقها في 22 مايو 1990م، إلى أن دُقّ مسمار نعشها في شارع الستين في صنعاء -إن جاز التعبير- في مطلع 1992م، باستشهاد شهيد الديمقراطية الدكتور حسن الحريبي، ونجاة المناضل الوطني والأممي المفكر عمر عبدالله الجاوي، من محاولة الاغتيال، ليثبت ذلك الحدث النوايا المبيَّتة للانقضاض على الدولة المدنية القوية، دولة النظام والقانون والعدالة الاجتماعية والمساواة في جنوب الجزيرة العربية.
ومنذ تلك اللحظة افتُتِحت شهية الاغتيالات، وانفرط عقدها باغتيال العميد ماجد مرشد، وكوكبةٍ فذّة من كوادر الحزب الاشتراكي اليمني على طول اليمن وعرضه، ونجاة عددٍ منهم، لتُدفن الوحدة الاندماجية نهائيًا باجتياح الجنوب في صيف 1994م، من قبل حلف جنرالات الدين السياسي والقبلي، وما تلاها من اغتيالات لعل أكثرها بشاعة -وأمام مرأى العالم وفي وضح النهار، فيما كانت الشاشات الرسمية تبث الجريمة الشنعاء- اغتيال رجل التسامح والمصالحة والحوار ونصير الحداثة والتنوير، الشهيد جار الله عمر، في ظل صمتٍ مُذلّ للقوى الوطنية التي تدّعي الحداثة والتغيير، وتجاهلٍ مقيت لدعوات الاشتراكي إلى تصحيح مسار الوحدة قبل الدمار العظيم، الذي مثلت مقدماته سنوات تكريس واقع الفيد والغنيمة لمحور تموز الأسود، سيّئ الصيت، وصراعهم في وضح النهار على حصص حقول النفط والبحار والأراضي والثروات، تحت راية الوحدة وأهازيج وأناشيد ورقص وبرع ومظاهر فرح صورية لا تمت بصلة لوحدة الأرض والإنسان، أكثر من صلتها بأفراح الفيد والغنيمة وتشريد عشرات الآلاف من خيرة الكفاءات العسكرية والمدنية، بما تملكه من خبرات غنية، ورميها للشارع تتضور جوعًا.
وقوبلت دعوات تصحيح مسار الوحدة بالتجاهل والغطرسة، ولم يكن هناك أدنى التزام أخلاقي للاعتراف بالكبوات، والإخفاقات، والانحرافات لتصحيحها، الأمر الذي أدى إلى رفع سقف مطالبة أبناء المحافظات الجنوبية من إصلاح المسار في إطار دولة الوحدة إلى المضي قدمًا نحو فك الارتباط وحق تقرير المصير.
واليوم، تتسع الهوة بين أبناء الشعب اليمني أكثر من أي وقت مضى، هوة لا يمكن ردمها إلا بمعجزةٍ خارقة لم تلح في الأفق أدنى مؤشراتها في ظل مؤشرات تغذية وتمويل تفكيك المجتمع مع تراجع صوت العقل والحكمة.
ستستمر الحرب بأريحية كاملة لأمراء الحرب والمتربصين بالجغرافية والثروة، ولن يسمحوا بلمّ اللحمة الوطنية أو إعادة تماسكها، وكلما ازداد الشعب انقسامًا، ازدادوا غطرسةً وتوحشًا، وازداد تسويقهم لأوهامٍ لا مدى لها، إلا في عقول الدمى التي يحركونها. وسيبقى تجار الحروب، حراس مصالح الإمبريالية العالمية، يغازلون بعضهم بعضًا، بينما يموت اليمني الحر مكلومًا على وطن حمله بروحه وعقله وفؤاده وجوارحه، أينما حلّ وارتحل.
ويثبت الواقع اليوم أن الشعب الذي كان موحَّدًا على الدوام، وإن لم يخضع لسلطة واحدة في تاريخه إلا نادرًا، يزداد انقسامًا، أكثر من أي وقت مضى بقيادة نخبة سياسية مهترئة عاجزة -سلطة ومعارضة- عن تجنيب البلاد مسار الهاوية، بل تشارك في صناعته.
فزمام قلب المعادلة سيأتي حتمًا على يد طلائع الشباب المتطلع لوطنٍ تعلى هامته بين الأوطان حرًا سعيدًا، ينعم شعبه بالديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، والعيش الكريم. وحينها، لن نقول: سلامٌ عليك يا يمن، يوم وُلدت كبيرًا ويوم متّ ويوم تُبعث حيًّا، بل سنقول: سلامًا على شعبٍ قلب المعادلة، وصنع المعجزة في لحظةٍ فارقة، أعادت لليمن مجده ومكانته التي تليق بحضارته وجغرافيته.