وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية (4)
سُنّة وجوب الارتقاء بالأمّة بالعلم (العلم بالقوانين الكونية والطبيعية)
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
الزمر: 9
-----------------------------------
1. لماذا جعل القرآن العلم معيار تفاضل؟
هذه الآية لا تتحدث عن:
• عبادة،
• ولا تاريخ،
• ولا هوية جماعية،
بل عن العلم.
والسؤال القرآني ليس إنكاريًا فقط،
بل تأسيسيًا:
لا يمكن أن يستوي من يفهم قوانين الوجود
ومن يعيش خارجه كأنه صدفة.
فالجهل في منطق القرآن
ليس نقص معلومات،
بل تعطيل للعقل عن وظيفته الوجودية.
-----------------------------------
2. أي علم يقصده القرآن هنا؟
القرآن حين يطلق لفظ العلم
لا يحصره في علم الشعائر فقط.
بل يشمل:
• علم السنن الكونية.
• قوانين الطبيعة.
• قوانين الحركة والتغير.
• أسباب القوة والضعف.
• العلاقة بين السبب والنتيجة.
ولهذا امتلأ القرآن بأسئلة من نوع:
• ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ﴾
• ﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾
• ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾
أي أن الكون نفسه كتاب مفتوح
لا يقل منزلة عن الوحي في باب الاستدلال.
-----------------------------------
3. لماذا لا ترتقي أمة بلا علم كوني؟
لأن الجهل بالقوانين الطبيعية يعني:
• الاعتماد على التمني بدل التخطيط.
• انتظار النتائج بلا أسباب.
• تفسير التخلف بالقدر لا بالقصور.
• تحويل الدين إلى بديل عن الفعل.
والقرآن يرفض هذا المنطق تمامًا.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾
أي أن التغيير يبدأ بفهم كيف يعمل العالم
ثم العمل وفق هذا الفهم.
-----------------------------------
4. الفرق بين التديّن والفاعلية الحضارية
قد تكون الأمة:
• متدينة شعائريًا،
• لكنها متخلفة حضاريًا.
لأنها قد تكون :
• فصلت الدين عن السنن الكونية.
• وقدّست النص وولم تفعله مع قوانين الكون.
• اكتفت بالدعاء (رغم أهميته) وتركَت الاكتشاف والسباق العلمي.
• استبدلت البحث عن أصل المشكلات وكيفية حلها واكتفت بالتبرير.
بينما القرآن يريد:
• عبادة واعية.
• وعلمًا منتجًا منضبطا.
• وإيمانًا يفهم ويتعامل مع قوانين الله في الطبيعة
كما يفهم أوامره في النص.
-----------------------------------
5. أين نرى هذه السنة اليوم؟
نراها بوضوح في:
• أمم لا ترفع شعارات دينية لكنها تقدمت بالعلم.
• وأمم ترفع أقدس الشعارات لكنها تعيش خارج العصر.
• دول سيطرت على الطبيعة فسيطرت على القرار.
• وشعوب استُبيحت لأنها لم تفهم قوانين القوة في حاضرها ومستقبلها.
القرآن لا يحابي المؤمنين في سنن الكون،
بل من أخذ بها نال نتائجها.
-----------------------------------
6. هل العلم الكوني منافٍ للإيمان؟
على العكس..
في منطق القرآن، هو ثمرة الإيمان الصحيح.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
والعلماء هنا:
• ليسوا فقط علماء النص مع حاجتنا للجميع،
• بل كل من فهم سنن الله النصية والكونية في خلقه فازداد تواضعًا لا غرورًا.
العلم الذي لا يولّد خشية علم ناقص، والإيمان الذي لا ينتج معرفة إيمان معطَّل.
-----------------------------------
7. رمضان وإعادة ترتيب العلاقة مع العلم
رمضان ليس شهر الانسحاب من العالم، بل شهر إعادة فهمه.
في الصيام:
• يلاحظ الإنسان التغيرات في جسده.
• يفهم الإيقاع الحيوي.
• يختبر العلاقة بين الطاقة والغذاء والانضباط.
• ويتعلم أن القوانين لا تُكسر بالتمني.
رمضان يعيدك إلى هذه الحقيقة:
السماء لا تُغني عن الأرض،
والدعاء لا يُغني عن الفعل،
والإيمان لا يُغني عن العلم.
-----------------------------------
خاتمة
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾
سؤال لا يزال مفتوحًا إلى اليوم.
فالقرآن لا يريد أمة:
• تعيش على أمجاد الماضي فقط،
• ولا تكتفي بالنية الصالحة،
بل أمة:
• تفهم الماضي والحاضر،
• تفهم قوانين الكون وتعمل بها،
• وتربط العلم بالأخلاق والقيم فالعلم بدون قيم يؤدي إلى الكوارث،
• والقوة بالمسؤولية فالقوة بدون مسئولية تتحول إلى مصائب.
ومن عطّل العلم فقد عطّل إحدى أعظم سنن الارتقاء.
وهذه ليست رؤية فلسفية حديثة، بل سُنّة قررها بوضوح القرآن الكريم وجعلها شرطًا للتفاضل والبقاء بين الأمم والمجتمعات.