الحكمة ليست يمنية
عدنا كبلد وشعب، بعد رحلة طويلة من الزمن كفاحًا ونضالًا ومعاناة، عدنا يا مولاي كما خُلِقنا دون حكمة تُذكَر… عدنا ويا للهول!
عُراة… تتلاطمنا العواصف… الرياح شظايا تمزّق عُرى الوطن. طارت الأحلام، تبخّرت، غابت داخل أتون الغبار والأتربة، وتهاوت معها آثار وأثمان تضحيات تم دفعها عرقًا ودماءً سالت… ليجد المرء نفسه في مهبّ الرياح، تتلاطمه العواصف، لا يجد مستقرًا.
فها هي صنعاء تعود تحت الصفر… وها هو اليمن السعيد بات تعيسًا ممزقًا، أشلاء تتقاذفه وتتجاذبه فِرَقٌ وأطياف تمّت عمليات تصنيعها سريعًا بمعامل وإدارة وتوجيه وصياغة للكيانات الوطنية ـ للأسف ـ من خارج البلد. جرى تحويلها إلى مجرد فسيفساء إثنيات قبلية تتصارع على كيان كان يحمل في أحشائه مولودًا لا يُراد له أن يتكوّن عملاقًا ينافس جغرافيًا. وللأسف تم تجهيز هذه التكوينات كي تظل مجرد محطات عبور… مشروعًا استثماريًا كبيرًا لقوى تدير دفة الأمور من خلف الستار، من قبل أطراف إقليمية ودولية بتخادم مصالح مع قوى محلية يُجرى توظيفها عند الحاجة.
للأسف ظلت هذه الآلية وستظل معبرًا لتقاسم المصالح، ومنبعًا لمصادر الطاقة الأحفورية، إلى حين يشاء ربّ رأس المال بمراحله التي تغيّرت مسمياتها من رأسمالية تغزو، إلى عولمة تسيطر وتوجّه، إلى ما بعد ليبرالية عمياء يتحكم بها رئيس أهوَج كترامب، قبضته أساسها إحكام السيطرة على استراتيجيات المواقع وما بداخلها من ثروات وما يمثله موقعها من مخاطر.
الآخر… يبحث عن المصالح ولا يبحث ولا يحترم تاريخ الشعوب الضعيفة.
بلادنا لم تكن عنصرًا طارئًا لا على التاريخ ولا على الجغرافيا. بلادنا موقع وثروات وإرث تاريخ، وتطلعات حاضر صنعت قواه الحيّة خروجًا على وضعٍ مؤبّد أُريد له أن يظل مجرد هامش تابع، مجرد سوق كبير ومخزون ضخم لثروات تختزنها الأرض، أو أرصدة جرى استثمارها بودائع الخزانة الأمريكية.
حين انتفضت بلادنا من عمق تاريخ بلد صانع لحضارة، أراد إعادة تصويب مسار تاريخ راكد، لحراك مستقبلي يحمل في طياته تحديات لشروط التخلّف والانكفاء التي فرضت عليه داخل دوامة صيرورة تاريخية تؤبّد بقاء البلد وشعبه مجرد هامش تابع ممزق. كان ذلك الخروج تحديًا لا ولن يُسمح به.
ومن هنا عاشت بلادنا دوامة المواجهات، دوامة البقاء في بيئة تتقاذفها الحروب التي يتكفل الخارج والمحيط بتفعيل عناصرها وتمزيق نواة التغيير التي هبّت، لتدخل ضمن سيناريو ممتد من ما قبل سبتمبر وأكتوبر ليستمر حتى اليوم، يعيش حالة تهالك وصراعات داخلية تبتعد كثيرًا كثيرًا عن مشروع وطني يسعى للخروج من حلقة الفقر المفرغة، حلقة الصراع الدائر حلزونيًا بحيث تخرج البلد من أزمة موجعة لتلج أخرى… وهكذا دواليك.
مضى تاريخنا محطات صراعات متتالية؛ ننتهي من واحدة لندخل أخرى. ومع كل مرحلة ندخل بقراءات إمّا ذات طابع بشري منفعل أو استعجالي تنقصه الحكمة، أو تتم ضمن توافقات ذات طابع فوقي سرعان ما تتلاشى متانتها كلما تم التعامل مع وطن وقضايا تم القفز عليها أو مصادرتهما من قبل جماعات جعلت من ذاتها الوصي والوصي الوحيد، وعبره وعبر فكره وتحليله للأمور تمت حركة سفينة وطن ظلت تتأرجح يمينًا وشمالًا، خاوية، مزّقتها الصراعات، لتغرق في تهويمات دمّرت كل التضحيات والمراحل التاريخية لثورتي سبتمبر وأكتوبر.
حتى وصلنا إلى محطة الضياع التي يتخبط بها بلدنا، وآخر ضحاياها ما شاهدناه قبل أيام مع حضرموت المكانة والتاريخ، لنراها ـ مثل بقية المحافظات ـ يُراد لها التخبط داخل أتون قراءات أخطبوطية تريد وتسعى لجرجرة البلد كله إلى مربعات خارج السياق الوطني… ذلك السياق الذي من أجله سالت دماء.
فلا العودة للسلالة تخدم صنعاء، ولا دعوة الجنوب العربي تخدم عدن وحضرموت. كلا المشروعين مشروعا حربٍ واحتراب، يُغذَّيان ويُموَّلان خارجيًا، وينشآن ويترعرعان بالداخل الوطني كلّه بقوى ومصالح أكثر ارتباطًا بالخارج أكثر مما هي بالداخل.
ولنا هنا سؤال يثير نقعًا وغبارًا ويرفع عتبًا ونقدًا من العيار الثقيل على مكوّنات حزبية باتت أرقامًا تتبع ولا تبتكر؛ أحزابًا فوقية، صلتها بالناس وبقاع البلد علاقة الوصي… الأب الراعي الغائب تحت سفر خطابات من يملك التمويل والتوظيف وخلق الوجهات، يأمر ويوجّه بيروقراطيًا فقط، بحيث ينتهي الفعل والحراك السياسي للأحزاب لمجرد أداء وظيفي بيروقراطي لا يدفع، لكنه للأسف يتبع.
والسؤال: كيف الخروج من هكذا وضع؟ وما العمل؟
وهما سؤالان يتطلبان ـ ليس المجيء بالمعجزات ـ ولكن المطلوب وفق الممكن هو إعادة تدوير البوصلة، لتعني أن مهمات الأحزاب كوسائط مجتمعية سياسية بين الشعب والسلطة هي مهمات أبعد ما تكون عن المهام الوظيفية السلطوية البيروقراطية. إذ غالبًا ما تحولت الأحزاب إلى راكد في دفاتر السلطة، بل غالبًا ما تتحول ـ وفقًا لانعدام توازن القوى ـ إلى قوى ذيلية تبرر ولا تستطيع صناعة مجريات التغيير.
وذلك شأن وأمر له مفاهيمه ووسائله، وهو ما يطرح على كافة الأحزاب وكل منظمات المجتمع المدني ضرورة استعادة الوعي؛ ولكن ليس على طريقة الكاتب الكبير توفيق الحكيم صاحب كتاب عودة الوعي، وإنما نعني الإدراك المسؤول للصعوبات الجمّة التي تواجه البلد وتواجه عمل وتحرك ونشاط الأحزاب.
أقصد هنا مسائل التمويل والعلاقات مع الآخر المؤثر، سواء كان سلطة أو دولًا لها صلات وتأثير ما ببلادنا.
للأسف الشديد بلادنا تمر بأخطر مراحلها التاريخية، وهو ما يستدعي ليس فقط الذاكرة التاريخية التي أنتجت تحالفات، ولا الواقع المعاش الذي لا يقبل أي استحواذ للثروة والسلطة من قبل أي قوى خارج أوسع نطاق لتوافق وطني منشود، يهيئ الساحة والبلاد لانتخابات حرة حقيقية لا يحكمها ويسيرها ويسيطر على مفاصلها ثلاثـة عناصر:
1. عنصر القوة المنفلتة.
2. عنصر المال والتمويل خارج الأعراف النظامية القانونية.
3. الخلاص النهائي من مصطلح “الحزب الأقوى” و“الحزب القائد”.
صوت الناس، أحرارًا من أي ضغوط، هو من يقرر ويقود المسار.
مسار صعب… لكن لا بديل سواه.