حضرموت.. رقعة الشطرنج المفتوحة
في حضرموت يبدو كل شيء وكأنه مشهد طويل من دراما سياسية كتبتها أيدٍ كثيرة، وكل يد تظن نفسها المؤلف الوحيد. المحافظة الهادئة بطبعها تُساق اليوم إلى واجهة صراع يشبه ملاكمة بلا حلبة. ضربات تأتي من كل اتجاه، بينما الجمهور يتساءل إن كان من الواجب التصفيق أو الاختباء.
السعودية تتعامل مع الوادي والصحراء باعتبارهما جزءاً من أملاكها التاريخية التي نسي موظف السجل العقاري توثيقها. قوات المنطقة العسكرية الأولى هناك، والقبائل هناك، والنفوذ هناك، وكل ذلك يثبت أن الرياض تعرف جيداً أين تضع أقدامها حين يتعلق الأمر بالتضاريس اليمنية. تدعم شيوخاً وقبائل، تُنشّط تحالفات، وتنعش "مجلس حضرموت الوطني" بلمسة سياسية رقيقة تشبه من ينعش أوراقاً كانت مكدّسة في أحد الأدراج ولم يتذكرها أحد منذ سنوات. الرسالة واضحة، حضرموت لا تُساق إلى مشروع الانفصال حتى لو تظاهر البعض بأنهم لا يسمعون.
أما الإمارات فتتمدد على الساحل وكأنها اكتشفت للتو أن التاريخ يحب من يكتب على الشاطئ. قوات النخبة، دعم الانتقالي، التعزيزات القادمة من عدن وشبوة وأبين، كلها أدوات في سيناريو يتقدم ببطء، لكن بثقة من يعرف الطريق جيداً. ليس هناك الكثير من المواربة. مشروع "الجنوب الكبير" بحاجة إلى حضرموت، وحضرموت بحاجة إلى من يقرر بالنيابة عنها ما إذا كانت جزءاً من دولة أم جزءاً من رؤية سياسية معدّة سلفاً. والموانئ والحقول النفطية تبتسم لهذا التوجه رغم أن الابتسامة تبدو واسعة أكثر مما ينبغي.
وفي المنتصف يقف الصراع الحضرمي كما يقف رجل وقع بين سوقين: كل طرف يصرخ فيه "تعال إليّ"، بينما هو يعرف أن الذهاب إلى أي منهما سينتهي بالطريقة نفسها. الصراع ليس حرباً لكنه بالتأكيد ليس استرخاءً على الرمال الساخنة. هو مواجهة بالوكالة لا تحتاج إلى إعلان رسمي. انقسام جغرافي يراه الأعمى. الداخل للسعودية، الساحل للإمارات، والجميع يتصرّف وكأن الأمر جزء من الطبيعة وليست نتيجة شحنات عسكرية متحركة ليل نهار. إعلان القبائل تشكيل مقاومة محلية ضد تمدد الانتقالي أضاف للمشهد طبقة جديدة من السخرية الجيوسياسية. الأطراف الخارجية تحرّك البيادق، والبيادق تقرر أنها تريد أن تصبح لاعبين أيضاً.
النتيجة النهائية لا تحتاج كثيراً من التحليل. حضرموت ليست ساحة صراع يمنية بقدر ما هي شاشة عرض ضخمة تُبث عليها رغبات متضاربة لدولتين تريان في المحافظة ما لا يراه سكانها. ليس هناك رومانسية قومية في المشروع السعودي، ولا عاطفة جنوبية في المشروع الإماراتي. هناك نفط وموانئ وجغرافيا وسباق محموم لتثبيت نفوذ طويل الأمد قبل أن يتغير الطقس الإقليمي.
وبين زحام المشاريع المتدافعة والبيانات التي تتساقط كمنشورات دعائية في موسم انتخابات، والتحركات العسكرية التي تجوب الأرض بلا كلل، تبقى حضرموت معلّقة في فضاءٍ ضبابي لا تعرف فيه إن كانت تُساق إلى مشروع الآخرين أم إلى مشروع لم تتفق عليه مع نفسها بعد. المفارقة أنّ المحافظة تبدو أحياناً كمن يمشي بخطى واثقة نحو مصيرٍ لا يعرفه، وكأنها تؤدي دوراً كُتب لها مسبقاً في مسرحية لا تزال فصولها تُعاد كتابة نهايتها في كل ليلة.