صنعاء 19C امطار خفيفة

زمن الرهائن

دكتور حمود العودي ورفيقاه، وكل سجناء الرأي لدى سلطات الأمر الواقع بصنعاء، ورغم كل نداءات الرأي العام الوطني، ومناشدات توالت من طول البلاد وعرضها كي تُطلق سلطة الأمر الواقع – كما يحلو للبعض تسميتها – سراحهم، لكن لا رد ولا استجابة. والله المستعان. فمن تم اعتقالهم ما أتوا جرماً، ولا شَنّوا حزبا، ولا تخابروا مع ثلة من الأعداء، ولا تعاملوا مع طابور خامس. أجهزة أمن صنعاء – وما أكثرها وتنوّعها – رجال جندرما ونساء من الزينبيات يأتين بالأخبار من كل فجٍّ عميق بصنعاء وحواريها وأطرافها، ولهن امتدادات، وأهل الحل والربط يعرفون ويدركون كل التفاصيل ما ظهر منها وما بطن.

لكن ماذا نقول في زمن بات فيه اقتياد وأسر وسجن العقل قبل الجسد مهمة من لم يهمّه كثيراً معنى كرامة وحرية الإنسان والأوطان، بل ما يهمه – وعلى الدوام – صمت العقل قبل نطق اللسان، والتحول إلى مجرد شيء يسير ويمشي، لا يفكر ولا يعير اهتماماً بما حوله. وتلك – ويا للطامة الكبرى – عنوان الموت، الفناء، والاغتراب عن معنى الحياة التي تعني الحركة والتفكير والانشغال بالأمور التي أوكلها المولى لمن استخلفه في الأرض خليفة يبحث ويضيف ويجدّد الفضاء الكوني الذي أنزله الرحمن خليفة له عليه.
تلك مسائل غائبة عن ذهن من لا يرى للدنيا بديلاً سواه؛ هو الحاكم الآمر الناهي، والآخر مجرد شيء يأكل ويشرب وينام، مُصادَر العقل حتى تُصادر آدميته. هكذا كان نظام الأمانة يقمع الذات إن تعالى صوتها أو تحرّكت، لتتحول إلى رهينة تنتظر الموت. وذلك لا يكفي، بل الإمعان أكثر بجلب مَن هم من صلبه رهائن حتى يظل الصمت المطبق على الأفواه والعقول هو الآمر الناهي.
تلك أيام خَلَت ظنناها غادرت ساحتنا، فإذا الأمر خلاف ذلك، وإذا القيود زادت، ومصادرة ومحاصرة العقل هي السيف الفاصل في الميدان. فلا عقل يفكر، ولا ضمير يتحرك، ولا مجاميع تعيش عصراً يؤمن بحرية الكلمة وحق المشاركة في بناء الأوطان. تلك أمور تخبرنا بها أيام صنعاء الكئيبة؛ إذ تقول إن الأمور خلاف ذلك.
فالسجن جاهز، ومصادرة حق العقل بالتفكير والقول الرشيد جاهزة. وإذا معنى الوطن وحق المواطنة كلام غريب، فهناك فقط صفوة سلالة لها الباع الطويل، بل الباع الوحيد. كان البلد وأهله أفراداً وكُتَلاً يتوقعون شيئاً يحمل معنى آخر غير معنى "الرهينة". مصادرة الرأي – خاصة إن أتى من عالمٍ جليل – تبحث عن مصلحة كلية، لا تسعى لخدمة فلان أو علّان.
دكتور حمود العودي ورفيقاه، وكل سجناء الرأي، هم جزء من عقل جمعي وطني لا يريد إلا الخلاص للوطن وشعبه، ولا يريد سوى أن يحكم الشعب نفسه داخل وطنٍ يستوعب ويتسع للجميع من أهل اليمن كلها، دونما تفرقة ولا تمييز، لا مناطقي ولا مذهبي ولا غير ذلك من تعابير تنتقص من مكانة إنسان أكرمه المولى عز وجل.
فعلام – بالله عليكم – يبقى العقل سجيناً؟! كل حقب التاريخ تقول إن مصادرة العقول وبالُها شرٌّ مستطير. أطلقوا سراحه؛ فقد مضت مدة على احتجازه وسجنه فترة طويلة، والدكتور طاعن في السن، رهين المحبسين. ورغم كل المناشدات، لكنّا – ولعنة الله على "لكن" – وجدنا من يطالب دكتور حمود العودي بالمجيء بضمين يكفله ويكفل رفيقيه!
كفالتهم شرف الكلمة، كفالتهم إيمانهم بحق الوطن أن يزدهر، وبحق الإنسان أن يعيش، ولا يكفي أن يعيش، بل أن يعيش حرّاً كريماً في وطن نأمل – مع دكتور حمود وكل سجناء الرأي – أن ذلك هو الطريق القويم لنهضة البلد وإخراجها من أتون الحرب والنار وإشعال الحرائق تحت كافة المسميات دون الوطنية. وذلك هو السبيل الوحيد لخروج بلادنا من مستنقع الضياع والغرق فيه أرضاً وشعباً ومستقبلاً.
أطلقوا سراح دكتور حمود وكل سجناء الرأي؛ فذلك لمصلحة بلد يبحث عن طريق، لأنه ما عاد ذلك اليمن الذي كان ذات يوم سعيداً. إنه يمن وطن يبحث عن خلاص، ود. حمود وسواه لا يعملون ولا ينادون بأكثر من ذلك.

الكلمات الدلالية