الرد على مقالة "راقصون وشعب" لفتحي بن لزرق
أرسل إليّ أحد الأصدقاء مقالة للصحفي فتحي بن لزرق الموسومة بـ "راقصون وشعب". وفي البداية أودّ التأكيد أن المقال أصاب كبد الحقيقة فيما يتعلق بانتهازية النخبة السياسية اليمنية التي قفزت من سفينة إلى أخرى، مدفوعة بـ"خواء الجيب" و"المصالح"، لا بـ"صحوة الضمير" أو "الأخلاق". إن استعراضه لتحولات ساسة المؤتمر والإصلاح والاشتراكيين والوحدويين المتأخرين في اكتشاف "القضية الجنوبية" هو وصف دقيق لطبقة سياسية تعاملت مع الوطن والقضايا الكبرى كمشاريع للكسب والتنقل.
لكنه في ذات الوقت قد افتأت على الشعب وحقيقة الثورة السلمية.
فقد افتأت – في المقابل – على الشعب وحقيقة ثورة 11 فبراير 2011م المجيدة. فإن في وصفه لـ"الشعب التائه والأحمق" الذي يصفّق "بغاغة كبيرة" – حسب تعبيره – إجحاف بيّن وافتئات على الحركة الجماهيرية التي فجّرت ثورة الحادي عشر من فبراير 2011م.
لقد خرج الشعب اليمني بالملايين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. لم يكن خروجهم مجرد تبعٍ لقفزات علي محسن الأحمر أو غيره من اللصوص والانتهازيين، بل كان خروجاً جارفاً وسلمياً هدفه المعلن هو تغيير النظام وبناء الدولة المدنية والمواطنة والحريات والتقدم.
إن الحكم على ثورة شعبية عظيمة شاركت فيها كل فئات المجتمع بقضّه وقضيضه من خلال استعراض أسماء مجموعة من الأشخاص الانتهازيين الذين حاولوا الركوب على الموجة، هو قفز على الواقع وتجاهل لروح الثورة الحقيقية.
كما أن البندقية حلّت محل الحوار بعد أن وُوجهت ثورة الشعب بثورتَين مضادتَين. وبالتالي، فلم تكن المشكلة الجوهرية في الثورة نفسها، بل في الانقلاب المسلّح على العملية السياسية السلمية التي بدأت في ساحات التغيير. لم يكن هذا الانقلاب صنيعة الجماهير التي طالبت بالسلام والشرعية، بل كان نتاج الدولة العميقة التي رفضت التخلي عن سلطتها ونفوذها، فـ:
المرحلة الأولى: مثّلها علي محسن الأحمر وبطانته حين انضموا لثورة الشباب، لا بقناعة ثورية، بل باستغلال وانتهازية لانتزاع السلطة من قلب النظام، حيث ساهموا في إحلال البندقية محل الحوار داخل جسد الثورة والدولة.
المرحلة الثانية: مثّلها رأس النظام نفسه؛ إذ عادت الدولة العميقة لتضرب العملية السياسية برمتها، مكرّسةً لغة القوة والعنف كبديل للتوافق الوطني الذي كان يمكن أن يخرج باليمن من عنق الزجاجة.
لقد تسببت هذه القفزات المسلّحة، وهذا الرفض لاستكمال المسار المدني، في إحلال الفوضى محل التغيير السلمي. كان هذا هو الاغتصاب الحقيقي لأحلام ثوّار الربيع اليمني.
لقد كانت النتائج المأساوية لهذا الانقلاب على المسار السلمي واضحة المعالم حتى في وقت مبكر، وهو ما يتطابق مع الوصف الذي سطرته أنت في عام 2013، والذي يمثل شاهداً مبكراً على تحطيم حلم التغيير. وكتبتَ في حينها ما لفظه:
"لقد سقط الرئيس بفعل ثورة الربيع اليمني، لكن النظام لا يزال قائماً، لا بل زاد الأمر سوءاً بسبب أن الخلف لا يمتلك أي شرعية ولا أي خبرة أو معرفة بليّات أم رجال، وبسبب عملاء التوسعية الذين تصدّروا المشهد وسرقوا أحلام ثوار الربيع اليمني.
فقد ثارت كل المدن، وها هي اليوم تحولت إلى ظلام دامس وإلى ساحات تبث الرعب والخوف بعمليات القتل والذبح والاغتيالات التي يقوم بها التكفيريون الذين شكّلوا تنظيماً ينفّر الناس من الإسلام ويحيل الصراع إلى صراع ديني ومذهبي بدل أن يكون صراعاً من أجل بناء الدولة المدنية والمواطنة والحريات والتقدم، ومن أجل استكمال حلم شباب مسيرة ثورة الشباب في ساحات التغيير التي ضحّوا بدمائهم من أجلها."
وهذا البوست الذي أعاده فيسبوك اليوم، وأعاد طاقم فيسبوك نشر ما كتبته في مثل هذا اليوم 28 فبراير من عام 2013، هو بوست يعكس – بمرارة – الثمن الذي دفعه الشعب؛ حيث لم يكن الغرق نتيجة غفلة الجماهير التي صفقت، بل نتيجة إفشال العملية الانتقالية بدمج الانتهازيين أولاً، ثم بتغليب لغة السلاح والفتنة لاحقاً.
الخلاصة: إن السياسيين اليمنيين يحددون مواقفهم بناءً على مصالحهم، وهذا صحيح، لكن الجماهير خرجت للمطالبة بحقها في حياة كريمة، والضحية الأولى والأخيرة كانت – وما تزال – حلم الشباب الثائر الذي سرقته مصالح النخبة، لا بلاهة الجماهير.