الثلاثون من نوفمبر.. بين فرحة التحرر ومرارة التحوّل
في ذاكرة الشعوب لحظات تصنع التحوّل وتُعيد تعريف معنى الوطن. ويوم الثلاثين من نوفمبر 1967م هو إحدى تلك اللحظات التي لا تُنسى في التاريخ اليمني، إذ أعلن فيه رحيل آخر جندي بريطاني عن عدن، لتولد أول دولةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ في جنوب اليمن بعد 129 عامًا من الاستعمار.
كان ذلك اليوم تتويجًا لتضحياتٍ جسيمة خاضها رجال ونساء، فقراء ومثقفون، حملوا البندقية والكلمة والحلم معًا، حتى تحقق الاستقلال.
لم يكن استقلال الجنوب حدثًا عابرًا أو منحةً من أحد، بل جاء ثمرة كفاحٍ طويل بدأ باكرًا منذ خمسينيات القرن الماضي حين تشكّلت الحركات الوطنية الأولى مثل “رابطة أبناء الجنوب العربي”، و“حزب الشعب الاشتراكي”، و“الجبهة القومية" و "جبهة التحرير”، و مع تصاعد الغليان الشعبي ضد الاستعمار البريطاني، تبلورت فكرة الكفاح المسلح كخيارٍ لا بدّ منه، فانطلقت شرارته الأولى من جبال ردفان في 14 أكتوبر 1963م بقيادة راجح لبوزة ورفاقه، لتتحول ردفان إلى رمزٍ للثورة والتحرر.
ومنذ تلك اللحظة، تسارعت الأحداث واشتدت المواجهات، واتسعت رقعة المقاومة لتشمل كل مناطق الجنوب، فيما أخذت الجبهة القومية زمام المبادرة ميدانيًا، مستفيدةً من الدعم الشعبي والسياسي المتصاعد ومن المناخ الإقليمي الداعم لحركات التحرر في الستينيات.
وعندما وصل الاستعمار البريطاني إلى قناعة بأن وجوده في عدن لم يعد ممكنًا، كان الطريق إلى الاستقلال قد صار مسألة وقت. وفي صباح التاسع و العشرين من نوفمبر 1967م، غادر آخر جندي بريطاني أرض عدن، وأُعلن ميلاد “جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية” في الثلاثين من نوفمبر1967م إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التاريخ اليمني.
كانت لحظة الاستقلال مفعمة بالعواطف الوطنية الجياشة. خرجت الجماهير إلى الشوارع تهتف للوطن والحرية، واعتقد الجميع أن عهدًا جديدًا من العدالة والمساواة قد بدأ. لكنّ تلك الفرحة سرعان ما اعترتها الغيوم. فالتباينات الفكرية والسياسية بين القوى التي خاضت الكفاح ضد الاستعمار تحوّلت إلى صراعاتٍ داخلية دامية، أدّت إلى سلسلةٍ من الانقلابات والاغتيالات والإقصاءات المتبادلة.
لم يمضِ عام على الاستقلال حتى أُطيح بالرئيس قحطان الشعبي، ثم جاء الصراع بين رفاق السلاح ليبلغ ذروته في أحداث يونيو 1978م، وما تلاها من موجات اعتقال وتشريد. بلغت المأساة ذروتها في يناير 1986م حين اندلعت المواجهة الدموية داخل الحزب الحاكم، فخسرت البلاد نخبها وقياداتها، وتهشّم الحلم الذي بدأ في نوفمبر 1967م.
بعد حرب 1986م، لجأ كثير من القيادات إلى صنعاء، وهناك أُعيد فتح ملف الوحدة اليمنية، فكانت اتفاقية 1990م التي وحدت شطري البلاد تحت راية واحدة. استبشر الناس خيرًا، وظنوا أن صفحة الماضي طُويت، لكنّ التجربة لم تصمد أمام تحديات الواقع، فانفجرت الحرب من جديد عام 1994م، و وجد الجنوب نفسه مرة أخرى يعيش إحساس الخسارة والخذلان.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال، ما تزال البلاد تبحث عن معنى الدولة والوطن، وعن صيغةٍ عادلةٍ تحفظ كرامة الناس وتعيد الثقة بالسياسة وبالهوية اليمنية الجامعة.
إنّ استحضار ذكرى الاستقلال لا يهدف إلى اجترار الألم، بل إلى استلهام الدروس. وأبرز ما يمكن أن نتعلمه من تجربة ما قبل الاستقلال وما بعده هو أنّ النضال من أجل الحرية يجب أن يترافق دائمًا مع مشروعٍ لبناء الدولة، وأن الثورة التي لا تؤسس للعدل والمؤسسات سرعان ما تلتهم أبناءها.
لقد أثبتت التجارب أن السلاح الذي يُحرّر من استعمارٍ خارجي يمكن أن يتحوّل، إن غابت الحكمة، إلى أداة صراعٍ داخلي تدمّر كل ما تحقّق. وأنّ الاستقلال الحقيقي لا يكتمل بخروج المستعمر فحسب، بل ببناء دولةٍ عادلةٍ، يتساوى فيها الجميع في الحقوق والفرص، وتحكمها مؤسسات لا نزوات الأفراد أو الأيديولوجيات.
إن يوم الثلاثين من نوفمبر سيظلّ رمزًا خالدًا في وجدان اليمنيين، يومًا للكرامة الوطنية ولإرادة التحرر التي لا تموت. وإذا كان جيل الثورة قد قدّم أغلى ما يملك لينال الوطن حريته، فإنّ الأجيال اللاحقة مدعوةٌ لتقديم ما هو أعظم: بناء وطنٍ يسوده العدل، وتتوحد فيه القلوب قبل الجغرافيا.
تحية إجلالٍ وإكبارٍ لكل من صنعوا فجر الاستقلال، ولكل من ما زال يؤمن أن الحرية لا تُستحق إلا حين تُصان، وأن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالتسامح والعمل والإيمان بالمستقبل.
