القيصر
سار فيّاض بهدوء، إلى تتويج، تحفّه البنادق لا الزهور. الشاب الذي طرّز أحلامه بأبهى الألوان، وصعد بها إلى السماء، مكث في قلبها زمنًا تمنّى أن يعيشه في موكب العابرين إلى شاطئ السعادة والأمان، ذلك الشاطئ الذي بعدَ عنه ملايين السنين الضوئية بعد اختفاء والده.
من زقاق ضيّق تعايش فيه مع الفئران والصراصير، خرج فياض حاملًا الكرة الأرضية على كتفيه، موشّحة بشهادته الجامعية، بائعًا متجوّلًا يطارد رزقه من بلدٍ إلى آخر؛ تارةً تبتلعه مدن القهر، وتارةً تلفظه. زاده الوحيد: دعاء أمّه.
كل صباح، تغسل فجرها بالدموع، والدعاء والابتهال: أسألك يا الله، الصحة والرزق الوفير لابني، كما رزقتَ الطير والدواب، ولا تحرمنا من رحمتك وفرجك...
كان دعاؤها يصله بين لفح الشمس ولسع البرد، وهو يطوي الصحراء بكسرةٍ يابسة في جيبه، وبظلّ أبٍ اختفى ذات زمنٍ فيها.
تعلّم كيف يتخفّى في العراء دون أن تلتقطه الكاميرات؛ تارةً بمساعدة مُهرّب، وتارةً بورقة قاتٍ يُهديها لجنديّ على الحدود.
لم تكن الصحراء حكرًا عليه، بل ابتلعت أفواجًا ممن سحقتهم رحى العوز، الهاربين من لظى الحرب. كانوا يتدافعون إلى قلبها بأحزانهم، ويتبادلون الأسرار دون أن يعرف أحدٌ سرّ فياض، رغم ما يُضفيه حضوره من مرحٍ وبشاشة. فقد نشأ شَكّه بمن حوله منذ أن أحاطه العسس مبكرًا في النادي الرياضي الذي لعب فيه، يردد مع نفسه:
- حياتك يا فيّاض ستُكسر في أول اختبار... لا تدع لأحدٍ النفاذ إلى نقطة ضعفك، حتى لا تكون أسيرًا له.
يأخذ المُهرّبون أجرَهم بعد اجتياز الحواجز، وبعضهم يرمي زبائنه قبل الوصول إليها، ويكتفي بالإشارة إلى الطريق، أو إلى حمارٍ يقتفي أثره، ولتكن النهاية إلى جهنم وبئس المصير. ومن يسعفه الحظ، يتجاوزها ليغرق في وجهته متخفيًا.
في قلب الصحراء التي كان يمكث فيها أسابيع، يفتح عينيه وينام على العواصف الترابية، والقبور المتناثرة، والجُثث المنتفخة لموتى تبعث روائح مقيتة، وأصوات عواء وزئير وفحيح تنبعث من جوفها، وهياكل عظمية لأحياء بشرية وحيوانية، عبثت بها النسور والضباع... لا شيء فيها من بساطة قريته.
وحدها القرية منحته جمال الصباحات: صوت الديك، وشقشقة العصافير، وخبز أمه، ثمّ الصبايا اللواتي يذهبن كل صباح نحو البئر والحقول، التي يقبّل فيها المحصول أقدامهن، وصوت الفنان أيوب طارش يرافقهن: "وا صَبايا وا مِلاح هي اقطِفين لي مشاقر"، كما منحته مدينته جمال بلاده التي زادها عشقًا صوت زملائه والأطفال وهم يهتفون من خلفه، وهو حامل كأس البطولة:
- العب كُبّه، كن هدّاف… كن جولي أو سنتر هاف... القيصر أغلى هدّاف، القيصر أغلى هدّاف!
كان زملاؤه يلقّبونه بالقيصر لقوة شخصيته، وطريقته في السير والحديث. كانوا يحيطونه في الحارة وهو خلف عربته بملابسه المهترئة، ويحمونه من السرقة والابتزاز.
له نوادر مع مُحصلي الزكاة والضرائب في بلاده. صُودرت بضاعته، وزُجّ به في السجن مرارًا، آخرها حين كاد يخنق محققًا في قسم الشرطة حاول رفع يده عليه، ليخرج مجددًا تحت ضغط زملائه وعشّاق كرة القدم.
أما في المهجر، فلم يجد من يحميه. حين ظنّ أنه نجا من حرس الحدود، وصل إلى بيوت الأمراء ورجال الأعمال، حيث الوحشية مموّهة بالبذخ. لم يترك عملًا إلا جرّبه: نادل، سائق، عامل بناء. يبحث عن رزقه، ولسان الفقر أفعى متربّصة به... فجأة، يثور، ويعصف بالفقر المتربّص، وإذا به في الزنزانة أو في الشارع يبحث عن طعام وفرصة عمل جديدة.
ابنة "رجل الأعمال" لم يهدأ لها بال حتى تأكدت أنه وراء القضبان، بعد شجارٍ دار بينهما وهو عائد بها من الجامعة، حين نعتت بلاده بالدونية.
لم تكن تلك الحادثة سوى غيضٍ من فيض. فقد تكرّرت المشاهد ذاتها:
- أتظن أنك محوت هويّتي إذا الأقدار ظلمتني؟!
كلمات تناثرت خلفه في البهو وهو يُسحب نحو القضبان. المساس بوطنه خط أحمر، فإيماءات التحقير كانت سببًا كافيًا لسجنه. تتواتر أحداث حياته على هذا النسق، حتى صارت عادةً ليست غريبة عليه.
لم يطمح يومًا أن يصبح قيصرًا ويتربّع على عرش البلاد، وإن كان قد فُرض عليه اللقب... فعرش الجائع: لقمةٌ يابسة وقطرةُ ماء. لكنّ غيرته على وطنه أعظم من عروش الأرض بما وسعت، وإن كلّفه ذلك حياته.
كان يردد ما قاله ألكسندر بوشكين:
- "أنا أحتقر بلدي من الرأس إلى أخمص القدمين، لكنني لا أسمح لأي غريب أن يبادلني هذا الشعور".
قاوم جور الحياة بجسارته خارج وطنه، ومدافعًا عنه، دون أن يجد من يسنده.
- كيف لي أن أدافع عن وطنٍ قذف بي؟! فما هو الوطن؟
الوطن كلمة وهمية يعيش على سحرها الأغبياء الذين يمجّدون الطغاة... كفرتُ بكَ يا وطن... إلى الجحيم!
ما الوطن الذي لم أجد فيه نسمة فرح، ولا أثرًا لوالدي؟! آه لو وجدتُ ضريح أبي، لامتلأ صدري نعيمًا.
لماذا يكون وطني الفقر والعذاب؟ لماذا لا يكون وطني إحدى جنّات الله المنتشرة؟ لماذا لا تكون السعادة لكل البشر؟ لماذا لا تكون الضحكة والبسمة في أفواه الجميع؟! لماذا بعضنا موعودون بنيران جهنم، والبعض الآخر بالجنة؟! ألا يكفي أن نكون بشرًا؟!
الوطن: أمك يا فياض، الوطن طفلك الوحيد، الوطن سلوى التي أحبّتك، الوطن أهلك وأحبابك، الوطن أول ذرة أكسجين تسربت إلى رئتيك...
لا تكفر بالوطن يا فياض، كفرك بالوطن يقودك إلى الإلحاد...
آهٍ يا فياض، حين يُكسَر الإنسان في وطنه، يصبح الكفر بالوطن مدخلًا إلى كفرٍ أكبر...
أنت بين مطرقة الطغاة وسندان العوز، وكلاهما يقود إلى الإلحاد...
ختم تمتمته مع نفسه باللعنة كعادته، بعد يومٍ كادت روحه أن تنتقل إلى بارئها، حين شاهد زميله يُرمى من أحد المنحدرات الجبلية المحاذية للصحراء، حين خارت قواه من السير والمرض. وهي عادة يتبعها المهرّبون عندما يجدون أن زبونهم عاجز عن الهروب والاختفاء عند الضرورة.
جاء صوت المريض عبر الهاتف كأنين الروح إلى مسامع أخيه:
- أنقذني يا أخي!
فدفع الأخ ما طلبه المهرّبون، ثم سمع صدى ارتطام بصخرة... لقد رموه من الجبل!
لم يكن أمام فياض من خيارٍ سوى أن يلحق بهم ليرمي بأحدهم فداءً لزميله... فانقضّوا عليه كالوحوش، محاولين قتله، مع وصول دورية الحرس إثر سماع إطلاق نار. أصابت إحدى الطلقات قدمه اليمنى.
- حتمًا سآتي ذات يومٍ إليكم يا أوغاد لنَيل حقي...
ريشاتي نتفها الزمان، لكن أمواج الأمل تشعّ من قلبي، ورايتي لم تنتكس، وأمي على قيد الحياة...
في صدري فراغٌ عظيم، وفَرطٌ من الحنين، لا يسدّه إلا عناق أمّي.
كانت أمّه تكدّ ليل نهار في الخياطة والتطريز، وبيع البخور والعطور والبطاطس، لتطعم أفواهًا تركها رحيل والده للعراء. وكان فياض يعود بعد غياب سنين، كالفاتح المنتصر، العائد بكنوز الدنيا، وهي قطع صغيرة من القماش، وحلوى، وقليل من النقود قبل أن يختفي مؤخرًا.
- ابنكِ يا أماه قويٌّ جدًا، قويٌّ إلى الحدّ الذي لا يستطيع أحدٌ هزيمته...
لا أُخفي عليكِ يا أماه، أن الحزن لفراقكم قد قطّع فؤادي...
أكتم وجع فراقكم، حتى إنّي اتّخذت العزلة ملجأً وسكنًا لي، وقد أصابني الخوف ممن حولي، واستُنفدت طاقتي...
لكنّي والله، لم ولن أُهزم.
أخيرًا، دشّنت أسرته مرةً أخرى سنواتٍ من العوز، على أمل بفتاتٍ يتطاير من مواسم الحصاد المُرّ، بعد أن سار في المحكمة تحفّه البنادق كقيصر، بخطواتٍ بطيئة، طوى في ثوانيها شريط ذكرياته مع سلوى بنت حارته، وأول غمزة غرستها في قلبه، سر تألقه في بطولات كرة القدم.
لم يكن النوم يزوره حتى يطوف بكأس النصر حول دارها، كأي عاشق حين يمسّه الحنين.
سار وأمه وسلوى صنوان يحفزانه لبطولاته الجديدة، ويده خالية من خاتم علاء الدين السحري الذي تمنّى أن ينقله إلى بحر الشمال عند من سبقه من أقرانه، بعد أن ضاق بهم وطنهم العربي الكبير.
بردائه الأحمر، تقدّم مرفوع الرأس، وكلّ ما فيه يهتف، متجاهلًا حفلة الشواء التي بداخله. قضمه الحزن، وهو يحاول إخفاء سعاله الجافّ في ساحة حربٍ فُرضت عليه خارج أرضه، مستعيدًا ملامح زميله الذي رماه المهرّبون في آخر رحلة له في الصحراء. سيخبر الله عن ذلك، وعن وطنه، وعن أنينٍ خافتٍ حاول أن يلتقط صداه مع هتاف الأطفال، وشهقة أمه أثناء الطلقة التي اخترقت جسده، وهو واقف كالطود.
----
* مشاقر: عبارة عن مجموعة نباتات عطرية متنوعة في شكلها ورائحتها، تستخدم للزينة عند النساء والرجال في اليمن، وترمز إلى القوة والجمال، وتُعد جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية اليمنية.
* ملاح: تعني جميلات باللهجة اليمنية.