صنعاء 19C امطار خفيفة

هل تعرفون أسرة الغنّامي؟

هل تعرفون أسرة الغنّامي؟
اسرة الغنامي( منصات التواصل)

هل تعرفون أسرة الغنامي؟ إن لم تعرفوها، فأنتم بحاجة إلى رحلة عبر الزمن، إلى كريتر وتعز والحديدة وصنعاء، إلى الأسواق التي كانت تضج بالحياة، إلى قرى الحُجرية إذ تبدأ الحكايات وتُحاك على نول الكد والتعب.

هناك وُلد الحلم، وفي عدن كبُر.
وأسرة الغنامي ليست فقط اسمًا تجاريًا لمع في عالم المال والأعمال، بل هي قصة إنسانية تختصر تاريخًا من الكفاح الصامت، من التجارة على ظهور الحمير في الأسواق الأسبوعية للحُجرية، إلى تأسيس مستودعات ومعارض سيارات تُعرف من كوريا حتى بريطانيا واليابان.
ولكن كيف بدأوا؟ ومن هم هؤلاء الرجال الذين صنعوا من البدايات البسيطة إمبراطورية في عالم "السّبير بارتس" والإطارات والزيوت؟
هي أسرة تضرب جذورها في عمق التاريخ، لم تأتِ إلى السوق طارئة، بل وُلدت فيه، وعرفت دروبه، وأعطت قبل أن تأخذ. فيما واجهت مضايقات من حمران العيون، لكنها بقيت ثابتة، كريمة، جمهورية الهوى، وفية للوطن شمالًا وجنوبًا.
... كل شيء بدأ من عقلان سعيد الغنامي، التاجر الذي كان يسافر إلى الصومال، ثم يعود إلى قريته "المِهدار" في قدس الحُجرية، فيما كان أخوه محمد سعيد في انتظاره.
وانتهت مرحلة البحر لتبدأ رحلة الأرض.
حمير تحمل البضائع من سوق إلى آخر، من "غُبَيرة" إلى "الربوع" و"الثلوث"، والرجال يحملون الحلم.
ولم يكن لديهم أكثر من أمانتهم وجهدهم، وكان البحر نافذتهم إلى عدن... الحلم المنتظر.
وفي كريتر عدن، بدأ فصل جديد من القصة. افتتح محمد سعيد ومعه ابن أخيه غالب عقلان "مستودع الغنامي"، ذاك الذي بقيت لوحته مشهورة لعقود.
وعدن حينها كانت مدينة الحلم، وكانت روحها تفتح ذراعيها لكل من جاء من الشمال يحمل الأمل والصدق.
ومثلهم مثل هائل سعيد الذي بدأ هو الآخر بدايته حينها، وكان "البس" الفرنسي يرى في هؤلاء التجار اليمنيين كنوزا بشرية صادقة.
على أن ليس المال ما ميز الغنامي، بل العلاقة الإنسانية النادرة التي جمعت بين الأخوين محمد سعيد وعقلان، علاقة لا نظير لها. كانت القلوب على قلب رجل واحد، وكان الإخلاص عنوان كل خطوة. وحتى إذا رحل عقلان، جلس محمد سعيد عند بوابة مقبرة "ماجل الدمة" يدعو الله أن يلحقه بأخيه، فاستجاب الله، ومضى بعده بأشهر.
وامتد نشاط مجموعة الغنامي من كريتر إلى تعز، وهناك "عمارة الغنامي" و"مستودع القنال"، ثم إلى الحديدة وصنعاء، فيما بُنيت المعارض وشُيدت العلاقات، حتى خُيل لمن زار شارع صنعاء في السبعينيات أن نصفه للغنامي.
والعم عبدالعزيز الغنامي، من الجيل الثالث، تذكر ذلك البيت الصغير في كريتر الذي كان يضم العائلة كلها، وتحته المتجر. يقول: "تخيل، هذا البيت الصغير كان يكفينا جميعًا!"، وكان شعارهم الدائم "النَّفَس في القلوب"، لا المال في الجيوب.
ولكن، ككل حكاية عظيمة، لم يُحسن الجيل الثاني دائمًا إدارة ما بُني، وحدث ما يحدث عادة حين لا تُورث القيم كما تُورث العقارات. ورغم ذلك، بقي الأثر، وبقي الاسم، وبقيت سيرة عقلان ومحمد سعيد الغنامي حكاية ملهمة تستحق أن تدرس.
***
قبل أيام قليلة، ودعنا العم علي محمد سعيد الغنامي، أحد أعمدة هذا الصرح، أحد أولئك الذين حملوا الاسم وأكملوا المشوار. فله الرحمة والمغفرة، ولروحه السلام.
فيا أيها الذاهبون في تفاصيل الحياة، توقفوا قليلًا واسألوا: هل تعرفون الغنامي؟ فإن لم تكونوا تعرفوه، فقد فاتكم الكثير من مجد اليمن، من صدق رجاله، من نبل التجار المناضلين الذين بنوا المجد بلا ضجيج، ورحلوا بصمت... لكنهم باقون في الذاكرة، وفي الحكاية الشعبية.

الكلمات الدلالية