صنّاجة الشحر.. ثابت السعدي.. من رحاب الشعر إلى رحاب الله
ثابت عبدالله السعدي
ليس في كل يوم يولد شاعر، لذلك عندما يموت شاعر كبير بحجم ثابت عبدالله السعدي فإن الخسارة تكون كبيرة، ليس على الشحر فقط، ولا حضرموت وحدها، بل على الشعر. وهذا يضاعف الحزن، ويترك العيون تدمع بغزارة. و"يا دمعة العين جودي على حبيبي… خففي بعض الذي في البال." هكذا كان سيرثي حسين المحضار صديقه السعدي لو كان في قيد الحياة، كما رثى صديقه الشاعر من الحامي علوي محفوظ مولى الدويلة عندما فُجع بمقتله عام 1965! فأصبحت بتوجعها ولحنها الحزين من أعظم أشعار وأغاني الرثاء التي قالها المحضار، كما هو المارش الجنائزي لفريدريك شوبان الذي يعتبر من أشهر الموسيقى الجنائزية في العالم.
موت شاعر ليس بالأمر الهيّن، لذلك تتضاءل كل كلمات الرثاء والعزاء أمام خطب جلل كهذا، ولا تفي الشاعر حقه، مثل: الشاعر القدير، القامة الشعرية الكبيرة، وغيرها من الأوصاف التي لم يكن يسمعها في حياته، ولو قيلت له لنفر منها!!
من نعي نادي الشحر الأدبي للشاعر ثابت عبدالله السعدي الذي وافته المنية صباح (الاثنين 24 نوفمبر 2025م) في مدينة الشحر، رحمه الله وغفر له، إلى رثاء جمعية التراث والآثار في الديس الشرقية… وحضرموت عامة في حالة حداد على هذه القامة الشعرية الكبيرة. والشعر أيضًا ينبغي له أن يلبس ثوب السواد.
يُعد الشاعر ثابت السعدي ذو حضور شعري مميز، أثْرى الساحة الشعرية بقصائده الخالدة، وساهم في النشاط الثقافي بمدينة الشحر، حيث له بصمات واضحة في تأسيس منتدياتها الأدبية وجمعياتها الثقافية، كما جاء في بيان نادي الشحر الأدبي. فيما وصفته جمعية التراث والآثار بالديس الشرقية على لسان أمينها العام الشاعر الدكتور عبدالباسط الغرابي بـ"الفاجعة للأوساط الأدبية في حضرموت… يبدو حجم الخسارة كبيرًا".
ثابت السعدي أحد شعراء الأغنية الحضرمية، ومن مواليد 1959م بقرية معيان المساجدة، إحدى قرى مدينة الشحر العريقة. بدأ حبه للشعر مبكرًا كما يقول ابن منطقته الأستاذ أحمد عمر مسجدي، ولإشباع فضوله تردد على مجالس الشعر ليسمع ويحفظ ما يقوله الشعراء. له العديد من المساجلات الشعرية مع شعراء مديريته الشحر وحضرموت بصورة عامة، على رأسهم الشاعر الكبير حسين المحضار الذي ارتبط به كثيرًا، وسعيد سالم باجعالة، ومحمد عبدالقوي الحباني، ومحمد عبدالله الحداد، وعبدالله باكرمان، وغيرهم الكثير.
لكن يظل لرثاء الكاتب ابن غيل باوزير عوض سالم ربيع لزميل الحرف والكلمة الشاعر السعدي مرارة الألم وفاجعة الرحيل، وإن شئتم لوم من ينبغي أن يُلام.
"فقد مات النبيل ثابت السعدي في يوم الرماد 24 نوفمبر 2025، وإن شئتم يوم الرمادة. تركنا الرجل يموت وحيدًا بعد أن ذررنا عليه قليلًا أو كثيرًا من رماد بركان إثيوبيا. كان الأحرى بنا — ونحن المثقفين في الأرض أدعياء الإبداع — أن نمسح دمعة حرّى من عين ثابت، أن نربت على كتفه، أن نلثم يده. لم يحدث شيء من هذا. كل ما في الأمر وقفتنا معه في غرفة الإنعاش، ووقفة… يا لها والله من وقفة… إكمل الفراغ!
ثابت السعدي كان صرحًا من إبداع فهوى ثابت، وأصله ثابتًا رحمه الله. هو نسغ من أنساغ عبدالله عمر سواد، وأحمد محمد بكير، وسعيد فرج باحريز. والذين تجاهلوا أو تناسوا أو تعامسوا عن هؤلاء المبدعين… يا علهم رماد إثيوبيا في عيونهم… وعاده شوي!!"
رماد التنار كان أنقى من كل التعامس والتجاهل… مات منه الكسائي وفي نفسه شيء من "حتى"، ومات منه الفرزدق وفي نفسه شيء من "كم"، ومات منه الثابت السعدي بعد أن أطلق صيحته المدوية: "توكل العمر السنين".
لم يكُ الشاعر ثابت السعدي شاعرًا فحسب، بل مترعًا بالإحساس والطيبة، طاويًا ألمه بين جوانحه.
فقد "توكل العمر السنين". وهي ذات القصيدة التي اعتلت سنام شعره، ولقد طار بها شيخنا أحمد بن عمر مسجدي كل مطار، فأشبعها بحثًا وتحليلًا وتعليقًا. بدأها من "تأكل" التي أحالها ثابت السعدي إلى "توكل" كناية عن الإيغال، كقولنا نحن الحضارم: فلان "يوكل" أي ذو شراهة في الأكل، خور (بضم الخاء والواو).
"كلما شرقت وغابت.
قلت يمكن باتزين.
يا ليالي النور نترقبش.
متى عادش باتجين.
لا متى ظلّي نراقب.
بس يكفي من متاعب.
هكذا والدهر يقطع.
في الجسد مثل السكين.
توكل العمر السنين."
كلمات خرجت من أنفاس تتمعج… قالها مميزًا بين العمر والسنين… "توكل العمر السنين". قالت العرب: العمر فترة محدودة تمشي بها في مناكب الأرض، وكل من طالت به الأيام جمّ مرجعه للطين… "يا قلب ليه الأسى والأنين". أما السنين فهي الحسّابة… تحسب، بمعنى الآلة الحاسبة للعمر. لهذا لم يقدح ثابت من رأسه، بل أتى بالعمر والسنين بمعنيين مختلفين. يا لروعتك يا ابن الشحر… يا لروعتك!
كأني بالشحر ذات خيمة وصحراء وجمل… امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
أطربنا ثابت السعدي بـ"توكل العمر السنين". فهل كان السعدي صنّاجة — بتشديد النون — الشحر إذا طرب؟
الشحر وحدة متماسكة من الشعر والحب والجمال. كان فيها ثابت ثابتًا في وتد خيمة الشعر والشحر… وقد رحل…
لروحه السلام.
ويا لروعتك يا عوض… يا لروعتك يا ابن غيل باوزير.
وهذه قصيدة الشاعر ثابت عبدالله السعدي:
---
(توكل العمر السنين)
كلما شرقت وغابت قلت يمكن باتزين
انتي يا ليالي النور نترقب متى عادش تجين
لا متى مراقب بس كافي من متاعب
هكذا والدهر يقطع في الجسد مثل السكين
تاكل العمر السنين
طين والله لي ورثناها زمن يا خير طين
طين دوب الوقت تعطي الغالي الثمين
ويوم نحنا ما نحاسب الحصيلة دوم سالب
والنهاية على الأقل بس ليتنا متماسكين
تاكل العمر السنين
هكذا والدهر يقطع في الجسد مثل السكين
تاكل العمر السنين
شوك نجني آخر الموسم واحنا واثقين
إننا من قبل نسقي قد زرعنا ياسمين
هكذا الدنيا غرايب عش ترا شوف العجايب
وكل ماشي جاك بالمعكوس قبل متوقعين
تاكل العمر السنين
هكذا والدهر يقطع في الجسد مثل السكين
تاكل العمر السنين
كيف نفخر واحنا في تناقض عايشين
نعتبر أحياء… بالحقيقة ترانا ميتين
لا ما اتعظنا بالتجارب ناس وصلوا الكواكب
وما يكفيني الدعيم… في كل حاجة سابقين
تاكل العمر السنين
هكذا والدهر يقطع في الجسد مثل السكين
تاكل العمر السنين