السبت 16 مايو 2026
  • الرئيسية
  • المغتربون اليمنيون وسوق العمل الخليجي: في اتجاه متزايد رغم التقلبات

المغتربون اليمنيون وسوق العمل الخليجي: في اتجاه متزايد رغم التقلبات

تميزت الشخصية اليمنية، عبر مراحل التاريخ، بالنزوع إلى الهجرة والبحث عن فرص الرزق وتحسين مستوى المعيشة عبر العمل الدؤوب في مجالات التجارة أو الأعمال المهنية وغيرها. فمنذ قرون مضت، وصل المهاجرون اليمنيون إلى جنوب شرق آسيا، وإلى وسط وشرق أفريقيا، كما وصلوا إلى بريطانيا والولايات المتحدة. وبداية من منتصف القرن العشرين، اتجهت الهجرة اليمنية صوب مناطق الخليج العربي مع اكتشافات النفط وتوفر الفرص للعمل والتجارة والمساهمة في حركة التطوير والإنماء لتلك المجتمعات. ومع بروز الطفرة النفطية بعد حرب أكتوبر 1973، تزايدت هجرة اليمنيين بشكل ملحوظ وبمعدلات عالية إلى دول الخليج العربي، وخاصة إلى سوق العمل السعودي، حيث كان المهاجر اليمني مستثنى من نظام الكفالة الذي اعتمدته الحكومة السعودية في عام 1951، مما أتاح الفرصة لمئات الآلاف من المغتربين اليمنيين لممارسة العديد من الأنشطة التجارية والمهنية دون قيود أو عوائق، مقارنة بالوافدين من دول أخرى.


ومثل ذلك نقطة انعطاف جوهرية في العلاقات الاقتصادية بين اليمن ودول الخليج، وهذا وضع العلاقة بين الاقتصاد اليمني واقتصادات الخليج في علاقات ديناميكية جديدة قائمة على أساس تصدير خدمة العمل والحصول على العوائد المتمثلة في تحويلات المغتربين إلى الداخل اليمني، والتي كان لها دور إيجابي ومؤثر في توازن ميزان المدفوعات، وفي تحقيق الاستقرار لسعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية في تلك الحقبة. كما ساهمت تلك التحويلات في تحسين مستوى معيشة الملايين من أفراد أسر المغتربين، ومكنتهم من امتلاك أصول مالية وعقارية في الريف والحضر.

وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المغتربين اليمنيين في السعودية بلغ حوالي 1.5 مليون شخص مع نهاية عقد الثمانينيات، بينما كان عددهم في دول الخليج الأخرى، الكويت والإمارات، بعشرات الآلاف. وكل الشواهد تؤكد أن القوى العاملة من المغتربين اليمنيين ساهمت بشكل فعال في حركة البناء والتشييد التي شهدها الاقتصاد السعودي بعد الطفرة النفطية، من خلال العمل في تنفيذ المشاريع التنموية في مختلف القطاعات، سواء كانت بتمويل الحكومة أو بتمويل القطاع الخاص.

تداعيات غزو العراق للكويت

مع مطلع عقد التسعينيات، تعرضت العلاقة الديناميكية بين الاقتصاد اليمني واقتصادات دول الخليج إلى انتكاسة كبيرة عقب غزو العراق للكويت، والذي جاء بعد أشهر من إعلان الوحدة اليمنية بين الشطرين في مايو 1990. فبسبب موقف اليمن من تلك الأزمة، اتخذت دول الخليج إجراءات عقابية عديدة ضد اليمن، حيث أُجبر حوالي 900 ألف مغترب يمني، معظمهم في السعودية، على العودة إلى بلادهم، كما أوقفت منح تأشيرات الدخول للمغتربين.

إضافة إلى ذلك، قامت الدول الخليجية بتجميد القروض والمساعدات التنموية المقدمة لليمن، وكان لتلك الإجراءات تبعات اقتصادية كارثية، حيث تراجعت بشكل كبير تحويلات المغتربين، وتوقفت السحوبات من القروض والمساعدات، مما أثر بشكل سلبي على حجم الاحتياطيات من النقد الأجنبي، ونتج عنه تدهور سعر صرف الريال وارتفاع معدل التضخم وزيادة ضغوط الطلب على السلع والخدمات. ونتيجة لذلك، واجه الاقتصاد اليمني أزمة حادة خلال الفترة 1990-1995، وترافق ذلك مع بروز أزمة سياسية داخلية بين شركاء الوحدة "المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي"، أدت إلى اندلاع الحرب بينهما في صيف 1994، مما فاقم من سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بسبب زيادة معدلات التضخم وتدهور قيمة الريال اليمني.

وبعد انتهاء الحرب الداخلية، تشكلت حكومة جديدة مع نهاية عام 1994 بهدف معالجة الأزمة الاقتصادية وتحسين العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول الجوار، وفي مقدمتهم السعودية. وقد تعزز التقارب اليمني السعودي بتوقيع مذكرة التفاهم بين البلدين بشأن ترسيم الحدود بينهما في عام 1995، وتعززت العلاقات أكثر بعد توقيع اتفاقية الحدود عام 2000، مما خفف التوتر وفتح المجال لتحسين العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين اليمن ودول الخليج. وترافق مع ذلك الإعادة التدريجية لفتح الباب أمام الأيدي العاملة اليمنية للهجرة إلى دول الخليج، وتحديدًا إلى السعودية، ولكن بشروط وضوابط جديدة تضمنها قانون نظام الكفالة في كل دول الخليج، أبرزها ضرورة توفر الكفيل الخليجي لأي شخص يرغب في العمل في دول الخليج.

وخلال الفترة 2000-2010، لم تتزايد معدلات الهجرة إلى السعودية كما كانت في السابق، وذلك يعود إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية في اليمن من جانب، وإلى صعوبة العمل والمنافسة للمغترب اليمني في السعودية مع العمالة الوافدة من الهند وبنجلادش وغيرها من جانب آخر. فالإحصائيات تشير إلى أن عدد المغتربين في السعودية بلغ عام 2010 قرابة 850 ألف مغترب، أي حوالي نصف ما كان عليه الوضع قبل عام 1990. ورغم ذلك، ظلت تحويلات المغتربين تشكل مكونًا مهمًا في ميزان المدفوعات، وتشير تقديرات البنك المركزي اليمني إلى أن قيمة تحويلات المغتربين خلال الفترة 2000-2010 تراوحت بين 3 إلى 4 مليارات دولار سنويًا، رغم أن تقديرات البنك الدولي تضعها عند الضعف من ذلك، وهذا ما ساعد في استقرار سعر الصرف خلال الفترة 2000-2014، بالإضافة إلى المكونات الأخرى مثل عوائد صادرات النفط والغاز والسحوبات من القروض والمساعدات الخارجية لليمن.

الأثر الإيجابي للحرب

خلال فترة الحرب 2015-2022، تضاعف عدد المغتربين في السعودية عما كان عليه الوضع قبل الحرب. فبيانات الإحصائيات السكانية في السعودية لعام 2022 تبين أن حجم العمالة الوافدة من اليمن بلغ 1.8 مليون شخص، ويمثلون 13.5% من مجموع الوافدين الأجانب، وتأتي الجالية اليمنية بالمرتبة الرابعة بعد الهند وبنجلادش وباكستان. ويرجع ذلك إلى السياسات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة السعودية لمعالجة وتصحيح الأوضاع القانونية لإقامة المغتربين اليمنيين، إضافة إلى فتح المجال لجذب العمالة اليمنية من الشباب رغم ارتفاع تكاليف التأشيرات ورسوم الإقامات وغيرها.

وبالتأكيد، فإن المغترب اليمني يواجه تحديات صعبة للعمل في السوق السعودي، منها نظام سعودة الوظائف، أي منع الوافدين من ممارسة العمل في وظائف معينة، والتي تزداد وتتغير كل فترة وأخرى، إضافة إلى الرسوم الباهظة للإقامة، وخاصة إذا رافق المغترب الزوجة والأولاد، فتصبح تلك الرسوم كابوسًا يؤرقه ويستنزف كل مدخراته. والأمل معقود على صانعي القرار بالسعودية لإعادة النظر في الوظائف المسموحة للوافد اليمني، وأيضًا في رسوم الإقامة وتخفيفها أو إلغائها على المغترب اليمني، بحكم عوامل الجوار والترابط الاجتماعي والثقافي بين المجتمع اليمني والسعودي.

التحويلات وأثرها أثناء الحرب

خلال فترة الحرب 2015-2022، واجه الاقتصاد اليمني أزمة حادة بسبب الحرب والحصار وتوقف عوائد صادرات النفط والغاز وتجميد القروض والمساعدات الخارجية، مما أدى إلى انخفاض الاحتياطيات من النقد الأجنبي إلى أدنى مستوى. ورغم ذلك، لم يتدهور سعر صرف الريال اليمني بصورة مخيفة، بل تفاوت تراجعه في مناطق صنعاء عن مناطق عدن، ويعود ذلك إلى استمرار تحويلات المغتربين بالتدفق نحو الداخل اليمني. وهنا يمكن القول إن تلك التحويلات تمثل الجندي المجهول في معركة الحفاظ على القوة الشرائية للريال في الاقتصاد اليمني، وخاصة في مناطق صنعاء، ذلك أن نسبة عالية من المغتربين ينحدرون من تلك المناطق التي تشكل قرابة ثلثي السكان. فالبنك المركزي بصنعاء لا يمتلك الاحتياطيات من النقد الأجنبي حتى يجعل سعر الصرف مستقرًا خلال الأربع السنوات الماضية، كما أن تحويلات المغتربين ساهمت في انتعاش قطاع التشييد والعقارات خلال الفترة 2017-2021، حيث حدث ما يشبه الفقاعة العقارية، وارتفعت أسعار المباني والأراضي بمعدلات عالية.

ومنذ عام 2022، ظهرت علامات الركود في سوق العقارات في اليمن، وهذا يرجع إلى النظام الجديد للإقامة الذي أقرته الحكومة السعودية كبديل لنظام الكفيل القديم. فبحسب النظام المعتمد، يُسمح للوافدين الأجانب، أياً كانت أسباب توافدهم، طالما أنها قانونية ومشروعة، بالاستثمار والحصول مقابل ذلك على الإقامة المؤقتة والإقامة الدائمة على أراضي البلاد هم وأسرهم، مع حرية كاملة في التنقل والخروج والدخول، طالما استوفوا الشروط المقررة في النظام ولائحته التنفيذية. وهذه الحوافز شجعت المغتربين اليمنيين على التملك والاستثمار في الاقتصاد السعودي، وتراجعت تحويلاتهم إلى الداخل اليمني لغرض الاستثمارات العقارية والتجارية وغيرها، مما سبب ركودًا ملموسًا في سوق العقار اليمني. كما مثل ذلك مصدر جذب للمستثمر اليمني الذي يواجه تحديات جمة في مناطق صنعاء أو مناطق عدن، مما دفعه للهروب برأسماله واستثماره إلى السعودية أو إلى الدول الأخرى، وهذا ساهم في تعميق الركود في الاقتصاد اليمني.

ويلاحظ أنه خلال العقدين الماضيين، تزايدت الهجرة إلى السعودية، حيث تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن أعداد المغتربين اليمنيين في السعودية تصل إلى حوالي 2.5 مليون، بينما تراجعت بشكل كبير في دول الخليج الأخرى. ويعود ذلك إلى التسهيلات التي تقدمها السعودية للمهاجر اليمني، حيث انتشرت الهجرة بين أوساط الشباب المؤهل تعليميًا والحاصلين على مؤهل الثانوية أو الجامعة، وفتحت مجالًا أمام الشباب الباحث عن فرص العمل، ولم تتوفر له بالداخل، وخاصة أثناء الحرب. ويعول على هذه الشريحة أن تكون قادرة على اكتساب المهارات الفنية والتقنية حتى تساهم بشكل فعال في النشاط الاقتصادي والتجاري في السوق السعودي، وأيضًا في تحسين مستوى دخلهم ومعيشتهم ورفد الاقتصاد الوطني عبر التحويلات النقدية إلى الداخل اليمني. إلا أن هذه الشريحة من المغتربين تواجه تحديات جمة، حيث إن معظم المؤهلين الجامعيين في مختلف التخصصات يهاجرون إلى سوق العمل السعودي بتأشيرة عامل، ويقبلون بالعمل في أي مهنة بعيدة عن تخصصاتهم، مما يحد فعلاً من مساهماتهم ومن بناء قدراتهم وخبراتهم، كما أن مرتباتهم تكون منخفضة، وهذا يؤثر بشكل سلبي على دخولهم وعلى تحويلاتهم إلى أسرهم.