فساد الحرب في اليمن: حين تتحول المأساة إلى تجارة
لم تعد الحرب في اليمن مجرد مواجهة عسكرية أو صراع سياسي على السلطة، بل تحولت مع مرور السنوات إلى بيئة معقدة أنتجت مصالح واسعة وشبكات نفوذ تعيش على استمرار الأزمة. فالحرب التي بدأت تحت عناوين متعددة، خلّفت واقعًا أكثر قسوة، أصبح فيه الخراب مصدرًا للربح، والمعاناة بابًا للنفوذ، والفوضى مناخًا لازدهار الفساد.
في الدول التي تضعف فيها مؤسسات الدولة أو تنهار، تنمو اقتصاديات الحرب بسرعة، وتتشكل طبقة من المنتفعين تُعرف شعبيًا بـ«تجّار الحروب»، وهم أولئك الذين ترتبط مصالحهم ببقاء الصراع لا بإنهائه. ومع مرور الوقت، تتحول الحرب بالنسبة لهم من كارثة وطنية إلى فرصة دائمة للنفوذ والثروة، بينما يصبح السلام تهديدًا مباشرًا للمكاسب التي راكموها خلال سنوات الفوضى.
وهذا ما جعل اليمن يعيش لسنوات طويلة في حالة معلقة بين الحرب واللا حرب، وبين السلام واللا سلام؛ حالة استنزاف مستمرة لا تنتهي فيها المعارك بشكل كامل، ولا تُبنى فيها الدولة بصورة حقيقية. فكلما طال أمد الأزمة، تمددت الأسواق السوداء، وتضخمت شبكات المصالح، وتعزز الفساد السياسي والاقتصادي والإداري.
لقد أفرزت هذه المرحلة واقعًا هشًا، تحولت فيه معاناة الناس إلى وسيلة للاستثمار السياسي والاقتصادي، ولم يعد السؤال فقط: من يقاتل؟ بل من يستفيد من استمرار القتال؟ ومن يرى في استمرار الانقسام والفوضى ضمانة لبقاء نفوذه ومصالحه؟
كما كشفت الحرب هشاشة بنية الدولة اليمنية، إذ لم تكن هناك قبل الحرب مؤسسات حديثة مكتملة بالمفهوم الحقيقي للدولة القادرة على فرض القانون وإدارة الموارد وتحقيق العدالة بصورة مستقرة، ثم جاءت الحرب لتدفع بما تبقى من مؤسسات نحو مزيد من التآكل والانقسام والضعف.
إن أخطر ما تصنعه الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إعادة تشكيل المجتمع على أساس المصالح الضيقة، بحيث تصبح الفوضى مصدر قوة، ويتحول الانهيار إلى واقع مألوف تتكيف معه القوى المستفيدة. ومع مرور الزمن، تتراجع فكرة الدولة الجامعة، ويضعف الإحساس بالمصلحة الوطنية، بينما تتسع دوائر الانقسام والاستقطاب.
ولذلك، فإن أي حديث جاد عن مستقبل اليمن لا يمكن أن ينجح دون مواجهة حقيقية لاقتصاد الحرب وشبكات الفساد المرتبطة به، لأن إنهاء الصراع لا يتحقق فقط بوقف إطلاق النار، بل ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة بعدالة، وتجفيف منابع الاستفادة من استمرار الأزمة، وإعادة الاعتبار للمواطن الذي دفع الثمن الأكبر طوال سنوات الحرب.
وفي ظل استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، يبقى اليمن عالقًا في دائرة استنزاف مفتوحة؛ لا تنتصر فيها الدولة، ولا يستريح فيها المجتمع، بينما يتسع نفوذ أولئك الذين استثمروا في الحرب أكثر مما استثمروا في السلام.
