الجمعة 15 مايو 2026

الصين تبتلع ترامب

خلال تسع سنوات غاب الرئيس الأمريكي عن الصين، جرت تحت مياه الجسر متغيرات جمة، باتت معها الصين التي وفد إليها الرئيس ترامب محملاً بأعباء وهموم تدك مواقعه الداخلية، فشعبيته في أدنى حالاتها مقارنة بتلك التي كانت عليها حين عاد رئيساً مظفراً، ناهيك عما أحدثته مغامرته العدوانية على إيران وغيرها تحت المجهر المعتم الذي أضاء به نتنياهو خارطة إيران الممكن كسر أنفها وإسقاط نظامها وضرب قدرتها النووية العسكرية، وهكذا صور له الأمر وأغراه به، ليجد نفسه غارقاً بالمستنقع الإيراني، لذا كانت زيارته للصين طلباً لقبلة الحياة، لكن دوماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فلا النظام الإيراني تساقط، بل ازداد تطرفاً وتماسكاً رغم مقتل مرشده، وازداد عنفوان وتماسك ودور الحرس الثوري الإيراني.


ما زال هاجس النووي ومطلب التخصيب ورقة قوة بيد إيران تستخدمها بذكاء.

أسقط الصمود الإيراني وقدرته على امتصاص تأثيرات الحرب الهائلة.

إرباك الوضع بمنطقة الخليج لتغدو إيران لاعباً يُحسب حسابه.

تدوير ملف مضيق هرمز بدرجات أربكت الحسابات الأمريكية التي عولت كثيراً على توليد مقدمات تؤثر سلباً على العلاقات والمصالح المشتركة بين إيران وكل من الصين، مستورداً رئيساً للنفط الإيراني، وكذلك دور ومكانة روسيا.

تزايد ارتباك أوضاع الاقتصاد الأمريكي، وتنامي التأثير السلبي على حياة المواطن الأمريكي، ناهيك عن تأثير ذلك على مجالين أخطر، هما:

-التأثير على أوضاع الاقتصاد الدولي سلباً جراء أزمة تموينات الطاقة وارتفاع كلفتها، وتأثير ذلك على مجريات الحياة بشكل عام.

- ارتباك أشد طال سلال الإمداد الدولية جراء استمرار إغلاق مضيق هرمز.

-فشل سياسة الحصار للموانئ الإيرانية.

ضمن هذه الصورة المربكة تمت زيارة ترامب للصين، ترى ما الذي يسعى إليه جراء قيامه بهذه الزيارة التاريخية؟

ترامب بعقلية تاجر البازار، ملك الصفقات الأسرع على طريقة اللص الظريف: “اخطف، أهرب”، جاء يحاور الرئيس الصيني، رجل الدولة المتماسك، الذي يقرأ في عيون وأعماق ترامب عناوينه التي تبدأ من:

أولاً: ضرورة الحصول على وعود صينية بفتح أسواق الصين أمام السلع الأمريكية، خاصة الزراعية، نظراً للفائض التجاري القائم تقريباً بـ200 مليار دولار لصالح الصين.

التفاهم حول تايوان، والموقف من استمرار تزويدها بالسلاح الأمريكي، علماً بأن الصين لا تفرط قيد أنملة بمستقبل تايوان كجزء منها.

دعوة الصين لموقف غير منحاز لإيران، ودعوتها للضغط عليها، خاصة بملفي مضيق هرمز والملف النووي مع الكمية المخصبة المدفونة تحت الأرض.

دعوة الصين للتوقف عن شراء النفط الإيراني.

هذه العناوين تدور في فلك المحادثات بين الطرفين، وكلا الطرفين له ثوابته، رغم أن أحاديث ناعمة بدرت من ترامب ووزير خارجيته تشير إلى ضرورة مغادرة حالة العداء والتصادم إلى واحات وآفاق التعاون المثمر لصالح الطرفين والعالم أجمع، وهو أمر أدركه العقل الصيني المجرب، بأن ترامب بحاجة للحظة هدوء يعيد معها ترتيب أوراقه دولياً وداخلياً، فعلاقات أمريكا الدولية بأسوأ حالاتها، خاصة مع الحليف الأوروبي، وداخلياً تمر أمريكا بلحظة تناقضات داخلية تعصف بحكومة ترامب، مع تباينات داخل مكونات عناصر القوة داخل الدولة العميقة بأمريكا، كلها عوامل تزعج ترامب وتجعله ميالاً للتهدئة مع الصين بكافة الملفات، لذا يبدو ميالاً لكسب صداقة الصين ودعوتها لتلعب دوراً ذا تأثير يخفف من تصلب الموقف الإيراني، لكن كما يبدو فإن الصين لن تفتح غربال المفاوضات وفقاً لهوى وتهور ترامب وحليفه نتنياهو، ولكن وفقاً لموقعها كقوة دولية تقيس مصالحها بما يعزز من صدقية خطابها السياسي.

يمكن أن تلعب دوراً يفسح مجالاً للسياسة والحوار كي يستكمل مداه عبر دعم الوساطة التي تقوم بها باكستان، كما ستحافظ على أوضاع مضيق هرمز قدر حرصها على مضيق تايوان.

تايوان ستظل صينية، وتقوم معادلة عودتها للصين سلماً عبر معادلة “دولة واحدة بنظامين”.

الزيارة التاريخية لترامب ستؤكد على بناء علاقات بناءة مستقرة بين البلدين ولمصلحة العالم كله، باعتبار الصين إحدى القوى التي تعمل على خلق مناخات دولية تساعد على استقرار العلاقات الدولية بعيداً عن التلويح بالقوة وفرض الرسوم التجارية الاعتباطية غير القانونية التي يفرضها ترامب خارج القانون الدولي، الذي بات يعبث به كما عبث بالأمم المتحدة ومكانتها، وإنشاء بديلاً لها مجلساً للسلام الدولي هو رئيسه، تماماً كما عبث بالقضية الفلسطينية بعدما جمدها عبر إطلاق معتقلي حرب 7 أكتوبر، وسمح لنتنياهو بقضم جزء كبير من قطاع غزة عبر ما بات يعرف بالخط الأصفر، الذي يكرره حالياً بلبنان.

نستطيع القول بأنها زيارة تاريخية بكل المعاني، وكل طرف سيحاول قدر الإمكان تجيير نتائجها لصالح بلاده، لكن كل المؤشرات تشير إلى تبني سياسات تنبذ استخدام القوة والتلويح بها لتنظيم العلاقات الدولية، وعوضاً عن ذلك التأكيد على اعتماد مبدأ الحوار سبيلاً للحل، وهو ما أكده الجانب الصيني، خاصة بملف الحرب مع إيران، والدعوة لضرورة احترام سيادة دول الشرق الأوسط، خاصة منطقة الخليج التي ترتبط مع الصين بعلاقات سياسية وتجارية ضخمة، بمعنى أن للصين مصالح بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، وبضمنها القضية الفلسطينية، وموقف الصين الثابت بشأن استحقاق الدولة الفلسطينية، ودون حلها سيبقى الإقليم مصدراً للقلق وعدم الاستقرار الدوليين.

إنها زيارة تاريخية حقاً، عناوينها كبرى ترتسم خطوطها بخارطة العالم ونقاطه المشتعلة، والمهم والأكثر أهمية أن يلعب الطرفان دور رجل الإطفاء، وهنا يبرز الدور الصيني أكثر تأثيراً ووضوحاً وإيجابية.