الجمعة 15 مايو 2026
  • الرئيسية
  • تقاطع الفراغ المهني والهروب السيكولوجي في الفضاء الرقمي اليمني

تقاطع الفراغ المهني والهروب السيكولوجي في الفضاء الرقمي اليمني

يشهد مجتمع التواصل الاجتماعي في اليمن ظاهرة لافتة تتمثل في تضخيم الهوامش؛ حيث تبرز قضايا ثانوية أو عبثية لتتصدر المشهد العام، مستنزفةً الطاقات الذهنية والنفسية لليمنيين. هذا الاندفاع الرقمي ليس مجرد سلوك عابر، بل هو انعكاس عميق لزلزال اجتماعي أحدثته الحرب، متمثلاً في انهيار العلاقة الجوهرية بين الفرد والعمل.

يرتبط الإنسان في سياقه الطبيعي ببيئة عمل تمنحه هوية ومكانة. ومع استمرار الحرب في اليمن، يشير "تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)" إلى فقدان ملايين اليمنيين لسبل عيشهم، مما أدى إلى ما يمكن تسميته بـ "الاغتراب الوظيفي".

حين يفقد الفرد (الموظف، الأكاديمي، العامل) دوره الإنتاجي، ينشأ فراغ قاتل لا يقتصر على الوقت، بل يمتد إلى القيمة الذاتية. هذا الفراغ يبحث عن إنجاز بديل، فيجده في المعارك الرقمية التي توفر شعوراً زائفاً بالأهمية والانتصار. وهنا ينهار المعنى و قيمة الأشياء و الهروب من العجز إلى الضجيج وهو ما يسمى ب"الإزاحة النفسية" كما يصفها غوستاف لوبون

لماذا يستميت اليمني في قضايا هامشية بينما يتجاهل قضاياه الوجودية. فالقضايا الكبرى (مثل انهيار العملة أو توقف التعليم) تسبب شعوراً بالعجز التام لصعوبة حلها.

هنا، يقوم العقل الجمعي بـ "إزاحة" هذا الإحباط المكتوم نحو أهداف سهلة؛ مثل انتقاد مشهور، أو الجدل حول عادات اجتماعية بسيطة. تؤكد دراسة نفذت عام(, 2026)" أن تآكل الأمن النفسي في اليمن دفع الأفراد نحو "التعويض الرقمي" لاستعادة شعور وهمي بالسيطرة والقدرة على التغيير.

صناعة "التريند" كبديل عن التطلعات الموؤودة

أدت الحرب إلى تحطيم تطلعات الشباب اليمني نحو المستقبل، مما خلق حالة من التخبط المعرفي. وفي ظل غياب المؤسسات الحاضنة، تحولت المنصات الرقمية إلى برلمانات شعبية تفتقر إلى البوصلة. وتتحول الى فقاعات استقطاب تساهم في تدوير القضايا التافهة وإعطائها صبغة القضايا المصيرية. هذا الضجيج يعمل كستار دخاني يغطي على الفشل في تحقيق الذات في الواقع الحقيقي المهدم.. ما يؤدي إلى مآلات تزييف الوعي واختلال المعايير.

إن خطورة هذا السلوك تكمن في تحول الهامش إلى مركز. ومع مرور الوقت، تتدنى معايير الحوار المجتمعي، وتنسحب النخب الحقيقية أمام صخب "الغوغائية الرقمية".

لقد تسببت الحرب في قلب الهرم القيمي؛ فأصبح الاستعراض الرقمي أكثر جذباً من الإنجاز الواقعي المعطل قسراً. هذا الاختلال هو نتيجة مباشرة لتمزق العقد الاجتماعي الذي يربط الفرد بالدولة وبالعمل كقيمة عليا.

ما يظنه البعض تسلية" أو تخبطاً عفوياً هو في الحقيقة أثر جانبي لصدمة حضارية يعيشها اليمنيون. وعلاج ظاهرة صناعة الهوامش لا يتم بالموعظة، بل باستعادة كرامة الفرد من خلال العمل والإنتاج.

ما دامت "منظومة العلاقة بين الفرد والعمل" منهارة، سيظل الفضاء الرقمي هو المختبر الذي يُفرغ فيه اليمنيون قلقهم الوجودي، محولين أتفه الأمور إلى معارك كبرى، فقط ليشعروا أنهم ما زالوا على قيد الحياة في واقع يحاول تغييبهم.