الجمعة 15 مايو 2026
  • الرئيسية
  • القاضي الإرياني.. حكيم اليمن الذي مهّد لنهضتها الحديثة

القاضي الإرياني.. حكيم اليمن الذي مهّد لنهضتها الحديثة

"تتبعوا خط تصاعد أفكار القاضي الإرياني، ذلك السياسي المحنك والوطني الحريص والنزيه والداهية في آن معا، الرئيس عبدالرحمن الإرياني بوصفه أعظم ما أنجبت اليمن، كان عقلها وقلبها ومثال قيمها الأخلاقية وبراعتها السياسية"..

القاضي عبدالرحمن الإرياني

بهذه الكلمات الجزلة للزميل العزيز محمود ياسين، والتي استوقفتني كثيراً، وجدتُ نفسي مدفوعاً لكتابة هذه السطور عن رجل دولة كبير، ظلمه الإعلام كثيراً، ولم ينل من الإنصاف التاريخي مايستحقه رغم ماله من اسهامات سياسية ومآثر خالدة في تاريخ اليمن الحديث، انه القاضي (الرئيس) عبدالرحمن الإرياني رحمه الله..

حين يُكتب تاريخ اليمن الحديث بإنصاف، ويُعاد النظر في تاريخ الجمهورية بموضوعية، فإن اسم القاضي عبدالرحمن الإرياني يجب أن يتصدر أهم مراحله؛ بوصفه أحد أعظم رجال الدولة في تاريخ الجمهورية، إذ قاد البلاد في مرحلة بالغة الحساسية، وانتقل بها من أجواء التأثيرات الخارجية على القرار الوطني، والحرب الأهلية والانقسام الداخلي إلى يمننة القرار والمصالحة الوطنية والاستقرار السياسي، واضعا أسس الدولة المدنية القائمة على الحوار والتوافق واحترام القانون، وبرغم هذا الدور المحوري، لم ينل (القاضي) في الذاكرة العامة مايستحقه من تقدير، بينما طغت علىٰ المشهد صور لاحقة حجبت فضل الرجل الذي أرسى القواعد الأولى للسلام والتنمية..

لقد نجح القاضي الإرياني بحكمته واعتداله في إنهاء سنوات طويلة من الصراع، وفتح صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية ودول الجوار، وهو تحول استراتيجي أنهى سنوات الاستنزاف وأعاد الثقة إلى الداخل والخارج، الأمر الذي هيأ بيئة آمنة دفعت بمئات الآلاف من اليمنيين إلى الهجرة والعمل في الخليج خصوصا السعودية التي فتحت حدودها دون قيود، لتتدفق بعد ذلك تحويلاتهم المالية إلى الداخل وتشكل رافعة ضخمة أسهمت في تنشيط الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة وتوفير الموارد التي استفادت منها الدولة في السنوات اللاحقة..

وبمعنى أدق، فإن الأرضية الاقتصادية التي شهدت اليمن على أساسها حالة من الرخاء النسبي في منتصف السبعينيات لم تنشأ من فراغ، بل كانت ثمرة مباشرة للسياسات الحكيمة التي انتهجها القاضي رحمه الله..

عندما تولى الرئيس إبراهيم الحمدي رحمه الله قيادة البلاد بعد التغيير الذي شهدته البلاد في 13 يونيو 1974، وجد فرصة تاريخية للاستفادة من هذا المناخ السياسي والمالي المواتي، والبناء على هذه الأسس السياسية والاقتصادية المتينة، فعمل على ذلك بهمة الشباب وعنفوان الوطني الطموح، وأعاد للدولة هيبتها أمام مراكز النفوذ التقليدية، وعزز حضور المؤسسات الرسمية، وأطلق تجربة تعاونيات التطوير التي أسهمت في إشراك المواطنين في بناء المدارس والطرقات والمشاريع الخدمية، مرسخا فكرة أن التنمية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع..

إن الإنصاف التاريخي لاينتقص من أحد، بل يضع كل شخصية في موضعها الصحيح، وهنا يجب علينا جميعا أن نعيد الاعتبار للقاضي عبدالرحمن الإرياني بوصفه حكيم اليمن وأحد أعظم رجالها وساستها في العصر الحديث، فهو الذي صنع المصالحة الوطنية، وأرسى الاستقرار من خلال اتفاقه مع دول الجوار، وفتح الأبواب أمام مرحلة ازدهار نسبي مثّلت القاعدة التي انطلقت منها البلاد نحو متطلبات العصر..

وإذا كان الحمدي قد مثّل مرحلة إصلاحية مهمة عززت حضور الدولة وألهمت اليمنيين، وجسّد طموحاتهم في دولة قوية ومنظمة، فإن الإرياني هو من وضع المدماك الرئيسي والأساس السياسي والاقتصادي الذي جعل ذلك الطموح ممكناً على أرض الواقع..

لقد كان حكيم اليمن بحق؛ رجل الدولة النزيه الذي قدّم لبلاده المصالحة والاستقرار، ومهّد بعقله الهادئ وبصيرته الثاقبة لواحدة من أبرز المحطات في تاريخ اليمن الجمهوري..