السبت 16 مايو 2026
  • الرئيسية
  • اتفاق الأسرى… الشيطان يكمن في التفاصيل

اتفاق الأسرى… الشيطان يكمن في التفاصيل

لا خلاف على أن اتفاقات تبادل الأسرى تُدخل الفرح إلى قلوب اليمنيين، وقد شاركنا هذا الشعور كسائر أبناء الشعب. غير أن التأييد العاطفي لأي اتفاق لا ينبغي أن يحجب عنا النظر في مضمونه وتفاصيله؛ فالتجارب السابقة علمتنا أن الشيطان يكمن في التفاصيل، وأن كثيرًا من الاتفاقيات التي أُبرمت لم تُفضِ إلى حلول حقيقية، بقدر ما أضافت تعقيدات ومشكلات جديدة.

تكمن الإشكالية الجوهرية في أن من يديرون ملفات الحرب والتفاوض في بلادنا غالبًا ما يفتقرون إلى القدرات والخبرات والتأهيل الكافي للتعامل مع قضايا مصيرية شديدة الحساسية والتعقيد. فلا حضور فعلي لمراكز البحث والدراسات، ولا اعتماد على الشورى والشفافية في صناعة القرار، بل إن المصالح الخاصة تطغى أحيانًا على المصلحة الوطنية العامة، وهو ما ينعكس سلبًا على مخرجات هذه الاتفاقات، ويجعلها في الغالب أقرب إلى الإخفاق منها إلى النجاح.

أين يكمن الشيطان في هذا الاتفاق؟

من حيث المبدأ، فإن المعالجة العادلة والمنطقية لملف الأسرى تقوم على قاعدة واضحة: “الكل مقابل الكل”. وهذه القاعدة ليست شعارًا عاطفيًا، بل هي الضمانة الوحيدة لإغلاق هذا الملف بشكل كامل وعادل وصحيح.

لقد استندت القوة التفاوضية في هذا الملف إلى رافعتين أساسيتين:

الأولى، القيادات الكبيرة وأقاربها من الطرفين، مثل أبناء عفاش، واللواء الصبيحي، وناصر منصور هادي وغيرهم.

والثانية، الأسرى من قوات التحالف وحملة الجنسيات الأجنبية.

لكن ما حدث فعليًا هو الإفراج التدريجي عن هذه الأوراق الضاغطة؛ حيث أُطلق سراح كل القيادات، وكذلك غالبية الأسرى الأجانب في مراحل سابقة، وما تبقى منهم جرى الاتفاق على إطلاقه في هذه المرحلة. وبهذا، تُسحب من هذا الملف أهم عناصر الضغط التي كانت كفيلة بدفعه نحو حل شامل وسليم.

النتيجة الخطيرة لذلك أن ملف الأسرى قد يفقد زخمه قبل الوصول إلى نهايته الطبيعية المأمولة، أي الإغلاق الكامل وتصفير السجون. والأسوأ من ذلك، أن الفئات الأضعف وهم غالبية الأسرى غير المشمولين بالاتفاق قد يُتركون خلف القضبان، دون أن تبقى أوراق ضغط حقيقية تفرض الإفراج عنهم.

وليس هذا فحسب، بل إن هذا المسار قد يؤدي إلى إعفاء التحالف من مسؤولياته في الحرب، ويُضعف فرص تحقيق سلام حقيقي ورفع آثارها ونتائجها، بعد أن تم تحييد معظم أوراق الضغط العسكرية والسياسية والاقتصادية، سواء عبر الهدنة أو عبر اتفاقات جزئية كهذه. وبذلك نجد أنفسنا في موقع الضعيف الذي يطالب بتنفيذ التزامات كان يفترض أن تُفرض فرضًا، لا أن تُستجدى استجداءً.

ما هو المسار الصحيح؟

إن الطريق الصحيح لمعالجة هذا الملف يجب أن ينطلق من مبدأ واضح:

إغلاق ملف الأسرى بشكل كامل وعادل، بحيث يكون ذلك مدخلًا لتصفية بقية الملفات، لا عائقًا إضافيًا أمامها.

وعليه، فإن الأولوية يجب أن تكون للإفراج عن جميع الأسرى اليمنيين دون استثناء، حتى ولو تم ذلك من طرف واحد وهي سلطة صنعاء باعتبارها الطرف الذي يملك ورقة ضغط حاسمة تتمثل في الأسرى الأجانب. فهذه الورقة، إذا أُحسن استخدامها، كفيلة بإجبار الطرف الآخر على السير في الاتجاه ذاته، وصولًا إلى حل شامل لا يُبقي أحدًا خلف القضبان.

إن الفرح بأي خطوة إنسانية لا يجب أن يتحول إلى غطاء لتمرير اتفاقات مختلة او ناقصة. فملف الأسرى ليس ملفًا هامشيًا يمكن تجزئته أو إدارته بمنطق المراحل الزمنية المفتوحة، بل هو قضية أساسية أخلاقية ووطنية تتطلب حسمًا كاملًا وعادلًا. وأي مقاربة لا تقوم على مبدأ ”الكل مقابل الكل” ستُبقي هذا الجرح مفتوحًا، وتُعيد إنتاج المعاناة بصيغ مختلفة.

فالسلام الحقيقي لا يُبنى بإطلاق بعض الأسرى وترك الآخرين، ولا بتفريغ الأوراق الضاغطة قبل تحقيق الأهداف، بل بإغلاق هذا الملف إغلاقًا صحيحًا ونهائيًا، يعيد لكل أسير حريته، ولكل أسرة حقها، ويفتح الطريق أمام استحقاقات سلام حقيقي لا يقوم على أنصاف الحلول والقضايا العالقة، ولا على ارتجالٍ يفضي إلى إخفاقات ومضاعفات أكثر تعقيدًا، تزيد من الاحتقان وتُعمّق الشروخ الاجتماعية لدى الفئات التي تُهدر حقوقها.