الخميس 14 مايو 2026
  • الرئيسية
  • كيف صنعت الحرب في اليمن مجتمعًا خائفًا من نفسه

كيف صنعت الحرب في اليمن مجتمعًا خائفًا من نفسه

معاناة الهاشميين في اليمن لا يمكن فصلها عن حالة الانهيار السياسي والاجتماعي التي يعيشها البلد منذ سنوات، حيث تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات هوية، وانتشرت خطابات الكراهية والتحريض بصورة غير مسبوقة، حتى بات كثير من الهاشميين يشعرون أنهم مستهدفون بسبب الانتماء الأسري والمذهبي، لا بسبب المواقف الفردية أو الخيارات السياسية. وقد ساهمت الحرب في تكريس صورة نمطية ظالمة اختزلت مكونًا اجتماعيًا واسعًا ومتنوعًا في جماعة سياسية واحدة، رغم أن الواقع اليمني أكثر تعقيدًا وتداخلًا من هذه التوصيفات التبسيطية.

ولم أكن أرغب في الكتابة حول هذا الموضوع؛ لأنني كنت أدرك مسبقًا أن الحكم عليّ سيكون سهلًا، وأن التهمة ستكون جاهزة فقط بحكم أنني هاشمي. فكل من يحاول الحديث بموضوعية عن هذه القضية يجد نفسه معرضًا للتخوين أو التصنيف السياسي بصورة مباشرة، لكنني رأيت أن من الواجب تسليط الضوء على هذه الممارسات بكل مصداقية ووضوح؛ لأن الصمت لم يعد حلًا، ولأن ترك المجال لمن يعتاشون على نشر الفتنة والكراهية بين اليمنيين سيؤدي إلى مزيد من الانقسام والخوف المتبادل، خصوصًا مع استمرار حملات التخويف من الهاشميين وتصويرهم كخطر دائم على المجتمع والدولة.

وما دفعني للتطرق إلى هذه الظاهرة أيضًا هو ما نشهده اليوم من توسع خطير في سياسة التعيينات القائمة على الولاء والانتماء المناطقي والأسري، سواء داخل مؤسسات الشرعية أو في سلطة صنعاء، حيث تحولت كثير من المناصب العسكرية والأمنية والحكومية والدبلوماسية إلى مغانم يتم توزيعها على المقربين وأبناء المناطق والنخب المرتبطة بمراكز النفوذ، بينما يتم تهميش الكفاءات الحقيقية من مختلف المكونات اليمنية. وقد أصبحت هذه السياسة تمارس بصورة علنية، حتى بات اليمنيون يشعرون أن الانتماء المناطقي أو العائلي أصبح أهم من الكفاءة والخبرة والانتماء الوطني.

كما أن الصراع والحرب في اليمن فتحا المجال أمام القوى والدول المتدخلة لتوسيع الفجوة بين اليمنيين، من خلال الاصطفافات السياسية والعسكرية التي جرى تشكيلها لخدمة المصالح الإقليمية والدولية، حيث باتت كثير من القوى المحلية مرتبطة بمشاريع خارجية تستخدم الانقسامات الداخلية كورقة نفوذ وتأثير. وقد ساهم ذلك في تعميق الاستقطاب بين اليمنيين، وتحويل الخلافات السياسية إلى عداوات اجتماعية ومناطقية ومذهبية استهدفت مختلف المكونات، ومن بينها الهاشميون الذين وجدوا أنفسهم في قلب صراع تتداخل فيه الحسابات المحلية مع الأجندات الخارجية بصورة خطيرة.

وتتحمل شخصيات وقوى سياسية يمنية من غير الهاشميين جزءًا كبيرًا من المسؤولية في تعميق هذه المعاناة، من خلال التعامل مع الهاشميين باعتبارهم كتلة واحدة مرتبطة بالحوثيين، وهو منطق إقصائي خطير ساهم في إبعاد كثير من الكفاءات والشخصيات الهاشمية عن جهود السلام والحوار الوطني وصناعة القرار. كما جرى استبعاد أصوات هاشمية معتدلة كان يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر وتخفيف الاحتقان، لكن مناخ التخوين والشك جعل الانتماء الأسري وحده كافيًا لاتهام أي هاشمي بالولاء السياسي، وهو ما عمّق الشعور بالعزلة والظلم لدى شريحة واسعة منهم. كما أن الخلافات الهاشمية ـ الهاشمية نفسها زادت من تعقيد المشهد، وتم استغلالها من قبل مختلف القوى والسلطات لتوسيع الانقسامات واستخدامها في الصراعات السياسية.

إن استمرار استبعاد الهاشميين وغيرهم من المكونات اليمنية من مؤسسات الدولة ومن جهود السلام، على أساس الهوية أو المنطقة أو الولاء، لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الوطني وإطالة أمد الصراع. فاليمن لا يمكن أن يُبنى عبر المحاصصة الضيقة أو شيطنة فئة اجتماعية كاملة، بل عبر مشروع وطني عادل يعترف بالتعدد ويحترم المواطنة المتساوية، ويعيد الاعتبار للكفاءة بدلًا من العصبية المناطقية والأسرية. كما أن المطلوب من جميع القوى اليمنية مراجعة خطابها السياسي، والابتعاد عن الاستثمار في الكراهية والانقسام، والعمل على بناء دولة يشعر فيها كل اليمنيين أنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، دون خوف أو تمييز.