الخميس 14 مايو 2026
  • الرئيسية
  • ميرا أظهرت وجه الفضيلة والانحراف والقبح فينا

ميرا أظهرت وجه الفضيلة والانحراف والقبح فينا

ليست كل القضايا التي تتحول إلى رأي عام مجرد حكايات، لأن بعضها يكشف عن معدن المجتمعات، ويختبر أخلاق الناس، ويُظهر ما هو مضيء فيها وسط العتمة. وقصة ميرا هي من تلك القضايا التي أظهرت في مجتمعنا وجوه الفضيلة والانحراف والقبح معًا.

ميرا صدام حسين

لقد تحولت الحكاية، بما فيها من غموضٍ والتباسٍ وجدال، إلى مرآةٍ عكست تناقضات الواقع اليمني؛ فمن جهةٍ كشفت حجم القسوة التي قد تُمارس باسم النفوذ والقوة وشرعنة الأمر الواقع، ومن جهةٍ أخرى أظهرت الوجه المضيء، والروح الأصيلة لليمنيين حين ينتصرون للمظلوم، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والانفعالات العابرة.

إن القضية، في جوهرها، ليست خلافًا على عقارٍ أو روايةٍ شخصية فحسب، بل هي سؤالٌ أخلاقي وإنساني قبل أن تكون ملفًا قانونيًا.

فالبيت الذي وُضع تحت يد الحارس القضائي يأتي ضمن سياقٍ طويلٍ من التحولات والصراعات التي شهدت خلالها البلاد مصادراتٍ واسعة طالت ممتلكاتٍ وعقاراتٍ وأموالًا ومؤسساتٍ وأسهمًا ومزارع وشركات وبنوكًا وجامعاتٍ ومستشفيات، تحت ذرائع مختلفة، وفي ظل واقعٍ مضطربٍ اختلطت فيه السياسة بالقوة.

وهذه ليست ظاهرةً يمنيةً خالصة، بل تتكرر في كثيرٍ من المجتمعات المضطربة؛ إذ تأتي قوى جديدة فتعتبر نفسها الأحق بما كان في يد من سبقها، ثم لا تلبث الأيام أن تدور، فتأتي قوى أخرى تمارس الفعل ذاته، وكأن البشرية لم تتعلم بعد أن العدالة لا تُبنى بالانتقام، وأن الدول لا تستقر بالمصادرة، وأن الحقوق لا تُحمى بالغلبة.

أما ميرا نفسها، فإن التعامل مع قصتها يجب أن يظل محكومًا بالعقل والإنصاف، لا بالسخرية أو القسوة أو التوظيف السياسي.

فمن غير المنطقي أن يُختزل الأمر في مجرد ادعاءٍ عبثي أو بحثٍ عن شهرة؛ فادعاء الانتساب إلى شخصيةٍ بحجم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين المجيد ليس أمرًا هيّنًا يمكن الزج به دون إدراكٍ لتبعاته، كما أن نفي الرواية أو دحضها -إن ثبت خلافها- يظل أمرًا ممكنًا عبر الوسائل القانونية والموثوقة.

وحتى في حال عدم ثبوت أية صلةٍ قانونية أو نسبٍ معلن، فإن ذلك لا يسقط الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية. فالقانون شيء، والرحمة شيء آخر، والدول والمجتمعات الراقية لا تُدار بالجفاف الأخلاقي، بل بالتوازن بين العدالة والإنسانية.

ومن الوارد -غير مستبعد- أن تكون هذه المرأة قد حظيت يومًا برعايةٍ أو حمايةٍ أو توفير مأوى من شخصيات نافذة أو من الرئيس السابق نفسه، سواء بدافع الوفاء أو الاعتبارات الإنسانية. وإن كان العقار لم يُسجل قانونيًا باسمها أو بوصيةٍ موثقة، فذلك شأنٌ يفصل فيه القانون، أما حقها في الكرامة والأمان وعدم الإذلال، فهو شأنٌ يفصل فيه الضمير الإنساني.

وهنا تحديدًا برز الوجه النبيل للقبيلة اليمنية، بعيدًا عن الصور النمطية القاتمة التي يحاول البعض إلصاقها بها. فقد هبّ رجالٌ من القبائل دفاعًا عن امرأةٍ رأوا أنها تعرضت للظلم أو القسوة، لا طمعًا في مكسب، ولا خدمةً لأجندة، بل انطلاقًا من قيم الحماية والنخوة وإجارة المستجير، وهي قيمٌ متجذرة في الوجدان اليمني.

لقد أثبتت هذه الواقعة أن القبيلة، حين تغيب الدولة العادلة أو تضعف المؤسسات، تستطيع أحيانًا أن تُظهر جانبًا أخلاقيًا وإنسانيًا يرفض ترك الإنسان وحيدًا في مواجهة الجبروت أو التشهير أو الإقصاء. وفي المقابل، كشفت أيضًا الوجه القاتم لكل ممارسةٍ تستقوي على الأفراد باسم السلطة أو النفوذ أو الأمر الواقع.

إن القضايا الإنسانية الكبرى لا تُحل بالصخب، ولا بالتشهير، ولا بتحويل البشر إلى مادةٍ للتندر والانقسام، بل تُعالج بالحكمة والقانون والرحمة. وإذا كانت الملكية تُثبت بالأوراق والعقود والوثائق، فإن الكرامة الإنسانية لا تحتاج إلى صك ملكية كي تُصان.

قصة ميرا سنبقى -مهما كانت تفاصيلها النهائية- لحظةً كشفت، رغم الحرب والانقسام والقسوة، بقيةً من ضميرٍ حي، وأن هذا المجتمع مازال قادرًا على التمييز بين العدالة والتشفي، وبين قوة القانون وقانون القوة، وبين نصرة الإنسان واستباحته.

۔ برلماني وسفير سابق

[email protected]