الخميس 14 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الملكة أروى.. عرش جبلة وعين القاهرة

الملكة أروى.. عرش جبلة وعين القاهرة

نادراً ما احتفظ التاريخ اليمني بصورة حاكم بوضوح الصورة التي احتفظ بها لأروى بنت أحمد الصليحي. تصفها السرديات بـ "السيدة الحرة". جلست فوق عرش يمني الملامح، وخيوطها السياسية تمتد بهدوء نحو القاهرة. الذاكرة الشعبية اليمنية تحب صورة الملكة التي حكمت وحدها، المرأة التي أدارت البلاد بذكاء نادر وسط عالم يتعامل مع السلطة كامتياز ذكوري خالص. وفي الطبقات الأعمق من التاريخ يظهر مشهد أكثر تعقيداً. الدولة الصليحية نفسها وُلدت داخل العباءة الفاطمية، وتحركت منذ بدايتها كامتداد مذهبي وسياسي للخلافة الإسماعيلية في القاهرة.

اليمن في القرن الحادي عشر عاش لحظة تتقاطع فيها التجارة والعقيدة والسياسة. البحر الأحمر تحول إلى ممر استراتيجي بين الفاطميين وخصومهم. التجارة تعبره محملة بالبخور والعقيق والتوابل، والدعوات المذهبية تتحرك فوق مياهه بالسرعة نفسها. القاهرة الفاطمية كانت تبحث عن نفوذ ثابت في جنوب الجزيرة العربية، واليمن يعيش وسط توازنات قبلية ومذهبية وتجارية شديدة الحساسية.

من داخل هذا المشهد ظهرت الدولة الصليحية كامتداد فاطمي راسخ خارج مصر. علي بن محمد الصليحي، مؤسس الدولة، قدّم نفسه داعيةً للفاطميين وحاكماً محلياً في الوقت نفسه. كانت الخطبة في المساجد تبدأ باسم الخليفة الفاطمي قبل اسم الحاكم الصليحي، إشارة سياسية عميقة الدلالة في ثقافة ذلك العصر. المنبر أدّى وظيفة تتجاوز الطقس الديني، وتحول إلى إعلان أسبوعي عن صاحب الشرعية العليا. اسم الخليفة يرتفع أولاً فوق المآذن، ثم يأتي اسم الحاكم المحلي بعده كصدى متأخر، أقرب إلى ختم يوضع على جبين البلاد كل جمعة.

حين وصلت أروى إلى الحكم ورثت هذا البناء كاملاً: شبكة من التحالفات والالتزامات والمراكز القلقة. حكمت اليمن لأكثر من نصف قرن بمهارة سياسية نادرة، جمعت بين احتواء القبائل وضبط موازين القوة، حتى استقر اسمها طويلاً في الذاكرة اليمنية. لكنها تحركت داخل فضاء سياسي رسمت القاهرة حدوده الكبرى. شرعية الدولة، والدعوة الإسماعيلية، والعلاقة بالموانئ والتجارة، كلها ظلت مرتبطة بالمركز الفاطمي الذي تعامل مع اليمن كأهم أطرافه الجنوبية، بوابة البحر الأحمر والممر الذي يربط مصر بأسواق الهند وشرق أفريقيا. ولهذا حملت جبلة أهمية تتجاوز حجمها الجغرافي بكثير.

الرسائل القادمة من القاهرة حملت ثقلاً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية. الخلفاء الفاطميون مارسوا حضورهم في التفاصيل الكبرى للحكم الصليحي، حتى الحياة الشخصية للأسرة الحاكمة دخلت ضمن هذا المدار السياسي. بعد وفاة المكرم أحمد بن علي الصليحي، زوج أروى، دخل البيت الصليحي في ارتباك سياسي حول ترتيب السلطة والتحالفات، فجاء تدخل المستنصر بالله لترتيب زواج أروى من سبأ بن أحمد الصليحي وتثبيته. المشهد كله يكشف طبيعة العلاقة بين جبلة والقاهرة: علاقة طرف بمركز إمبراطوري يراقب إيقاعه مثل عازف عود يشد الأوتار.

أروى فهمت مبكراً أن البقاء فوق العرش يحتاج إلى الرضا الفاطمي كما يحتاج إلى إخضاع القبائل اليمنية. القبائل تحتاج الهيبة، والدولة تحتاج الشرعية، والشرعية في ذلك الزمن كانت تمر عبر الاعتراف الفاطمي. لهذا حافظت على ولائها السياسي والمذهبي للقاهرة، وتحولت اليمن في عهدها إلى واحدة من أهم قواعد الدعوة الإسماعيلية الطيبية. انطلق الدعاة من جبلة وعدن نحو الهند وسواحل المحيط الهندي، يحملون المذهب الإسماعيلي مثلما يحمل التجار البهارات والأقمشة، فيما كانت البلاد تؤدي وظيفة تتجاوز حدودها الجغرافية، محطة كبرى في مشروع مذهبي واسع تقوده الخلافة الفاطمية، جزءاً من أرخبيل عقائدي واسع تتناثر جُزره بين اليمن ومصر والهند.

هذا الامتداد الإسماعيلي أعاد تشكيل التوازنات داخل اليمن نفسه. القوى الزيدية والسنية رأت في المشروع الصليحي تعبيراً عن نفوذ مذهبي قادم من وراء البحر، فتداخلت الخصومات السياسية مع الحساسية العقائدية، وتحولت الجبال اليمنية إلى مرايا متقابلة تعكس انقسامات متعددة. العقيدة ارتدت هيئة راية، والسياسة تحدثت بلسان الفقه، وكل طرف حاول أن يجعل السماء تتكلم بلغته الخاصة.

حتى الاقتصاد كان جزءاً من هذه العلاقة المعقدة. الهدايا اليمنية من العقيق والجواهر والبخور تحركت باستمرار نحو القاهرة، في تقليد يعكس موقع اليمن داخل المنظومة الفاطمية. حمل البحر ثروة البلاد شمالاً، فيما كانت السلطة الصليحية تعيد إنتاج طقوس الولاء السياسي عبر الهدايا النفيسة. القوافل والسفن أدّت دوراً يتجاوز التجارة، طقس ولاء متكرر، يشبه انحناءة رمزية أمام المركز الفاطمي. العقيق اليماني الخارج من جبال صنعاء وذمار بدا لغة دبلوماسية مصقولة أكثر من كونه حجراً كريماً.

العمارة نفسها حملت آثار هذا التداخل الطويل. المساجد والمدارس والمجالس العلمية في جبلة وصنعاء تشبعت بالذائقة الفاطمية، والزخارف تحركت بين المدينتين كما تتحرك الألحان بين موسيقيين يتبادلان النغمة نفسها. القاهرة أعادت تشكيل صورتها الرمزية فوق المرتفعات اليمنية. جامع أروى في جبلة ما يزال حتى اليوم شاهداً على هذا الامتزاج: بناء يمني القسمات بروح إسماعيلية قادمة من ضفاف النيل.

في السنوات الأخيرة من حكمها بدأت الدولة الفاطمية تدخل مرحلة اهتزاز عميق، وفقد الجسد الفاطمي في القاهرة كثيراً من تماسكه. الصراعات بين الطيبية والحافظية انعكست على اليمن أيضاً، فصارت البلاد صفحة إضافية في كتاب الانقسامات الفاطمية. تمسكت أروى بالفرقة الطيبية بإصرار واضح، محاولةً تثبيت صورة قديمة فيما المرايا كلها تتشقق من حولها. الدولة الصليحية التي ارتبطت بالمشروع الفاطمي ازدهاراً وشرعية حملت معه ارتباكه الأخير أيضاً.

تبدو أروى في التاريخ أكثر تعقيداً من صورة الملكة المنعزلة فوق عرش جبلي. هي حاكمة امتلكت مهارة نادرة في إدارة السلطة، ونجحت في تثبيت حكم طويل العمر داخل بلد شديد التمزق، لكنها بقيت جزءاً من مشروع فاطمي واسع يمتد من القاهرة إلى سواحل الهند. المشهد كله يبدو كصورتين متداخلتين. ملكة تجلس فوق جبال اليمن بثقة كاملة، وظل فاطمي طويل يمتد من النيل حتى جبلة. التاج بقي في المرتفعات لكن عين القاهرة ظلت معلقة بالعرش من بعيد.