الأربعاء 13 مايو 2026

لأنه التلال..

لم تكن زيارته إلى صنعاء حدثًا عابرًا، ولا حالة طارئة مرّت دون صخب وضجيج، فالنادي الأكثر شهرةً وجماهيريةً يفرض حضوره في حلّه وترحاله، ويترك أينما حلّ أثرًا يشبه الحكايات القديمة التي لا يبهت بريقها مهما تعاقبت السنوات، فالتلال ليس مجرد نادٍ رياضي، بل ذاكرة وطن، واسمٌ اعتادت المدرجات أن تهتف له بحب، وتفسح له المدن أبوابها بتقديرٍ وإكرام.

(12) عامًا من الانقطاع كانت كافية لأن يدخل العميد إلى صنعاء بصورة ملكٍ مُبجّل مهاب، تتعلّق به الأنظار قبل أن تطأ قدماه المكان، وتلاحقه عدسات الكاميرات كما لو أنها تؤرّخ لعودة غائبٍ طال انتظاره، كان حضوره أشبه بعودة زمنٍ جميل، تستعيد معه الجماهير شيئًا من دفء الملاعب القديمة، وضجيج المدرجات التي تعرف جيدًا معنى أن يحضر "التلال".

وما بين تضخيم الزيارة وتهويل الحدث، ومحاولة تصويره انتصارًا سياسيًا في نظر سلطات الأمر الواقع هناك، وبين غضب طرفٍ آخر رأى في الزيارة خيانةً وتنكرًا، ستبقى الرياضة بمنأى عن كل تلك التخرصات، وأقوى من أن تُختزل في خطابٍ عابر أو تُساق إلى معارك لا تشبه روحها النبيلة، فهي أوسع من ضيق السياسة، وأنقى من صخب الاصطفافات، وأبقى من كل اللحظات المتوترة التي يحاول البعض أن يحمّلها أكثر مما تحتمل.

مؤسف أن تُوجَّه سهام النقد والتخوين نحو الوزير نايف البكري، وتحميله مسؤولية زيارة التلال إلى صنعاء، وكأن تحريك عجلة الرياضة والقيام بالواجب، بات يُحسب موقفًا سياسيًا، فالخيانة ليست في إعادة فريقٍ إلى ملعب أو منح الجماهير نافذة أمل بعد سنوات القطيعة، بل في تحويل الرياضة إلى ساحةٍ للمزايدات والاتهامات، فالأوطان المنهكة لا تُدار بالشعارات الحادة، بل بالحكمة والقدرة على إبقاء ما تبقّى من الجسور قائمًا رغم العواصف.

مرارًا وتكرارًا ننادي بضرورة فصل الرياضة عن السياسة، باعتبارها مساحة (الالتقاء) الأخيرة لهذا الوطن المنهك، والبلد المدمّر الذي تتقاذفه الأزمات والانقسامات، وتنهشه الخلافات والصراعات، حتى غدت الرياضة النافذة القليلة التي ما تزال تُبقي شيئًا من الروح حيًّا في جسد الوطن المتعب، والجسر الذي يمكن أن يعبر فوقه اليمنيون نحو لحظة صفاءٍ نادرة بعيدًا عن ضجيج الكراهية والفرقة.

من المهم، بل من الضرورة بمكان، ألّا نحمّل الرياضة ما لا تحتمل، وألّا نحول الملاعب إلى ساحات تصفية حسابات، لأن الرياضة خُلقت لتقريب المسافات لا لتعميق الهوة، ولجمع الناس حول الفرح لا لدفعهم نحو مزيدٍ من الانقسام.

ورغم كل ما سبق، سيبقى التلال أكبر من كل التأويلات الضيقة، لأنه ببساطة نادٍ اعتاد أن يجمع حوله القلوب قبل الجماهير، وأن يصنع من حضوره حدثًا تتجاوز أصداؤه حدود المستطيل الأخضر، ليظل اسمًا محفورًا في ذاكرة الناس، ورمزًا رياضيًا لا تستطيع العواصف العابرة أن تنتقص من قيمته أو تُطفئ وهجه، لأن الأندية الكبيرة لا تقاس بلحظةٍ طارئة، بل بما تتركه في وجدان الجماهير من محبةٍ وأثر.